الصفحة 15 من 391

ولا يُشْتَرَطُ للحَجِّ تَعْيِينُ النِّيَّةِ، فمَنْ حَجَّ عنْ غيرِهِ ولمْ يَحُجَّ عنْ نفسِهِ، وَقَعَ عنْ نفسِهِ، وكذا لوْ حَجَّ عَنْ نَذْرِهِ أوْ نَفْلًا، ولمْ يَكُنْ حَجَّ حَجَّةَ الإسلامِ؛ فإنَّهُ يَنْقَلِبُ عنها. وقدْ ثَبَتَ عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّهُ أمَرَ أصحابَهُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بعدَمَا دَخَلُوا معَهُ وطَافُوا وسَعَوْا أنْ يَفْسَخُوا حَجَّهم، ويَجْعَلُوها عُمْرَةً، وكانَ مِنهم القارِنُ والمُفْرِدُ، وإنَّما كانَ طَوَافُهم عندَ قُدُومِهِم طوافَ القُدومِ وليسَ بفَرْضٍ، وقدْ أَمَرَهم أنْ يَجْعَلُوهُ طَوَافَ عُمْرَةٍ وهوَ فَرْضٌ. وقدْ أَخَذَ بذَلِكَ الإمامُ أحمدُ فِي فَسْخِ الحَجِّ، وعَمِلَ بِهِ، وهوَ مُشْكِلٌ على أَصْلِهِ؛ فإنَّهُ يُوجِبُ تَعْيِينَ الطَّوَافِ الواجِبِ للحَجِّ والعُمْرَةِ بالنِّيَّةِ. وخالفَهُ فِي ذَلِكَ أكثرُ الفُقَهَاءِ، كمالِكٍ والشَّافِعِيِّ وأبي حَنِيفَةَ.

وقدْ يُفَرِّقُ الإمامُ أحمدُ بينَ أنْ يكونَ طَوَافُهُ فِي إحرامٍ انْقَلَبَ، كالإحرامِ الَّذي يَفْسَخُهُ ويَجْعَلُهُ عُمْرَةً، فيَنْقَلِبُ الطَّوَافُ فيهِ تَبَعًا لانْقِلابِ الإحرامِ، كما يَنْقَلِبُ الطَّوافُ فِي الإحرامِ الَّذي نَوَى بِهِ التَّطَوُّعَ إذا كانَ عليهِ حَجَّةُ الإسلامِ، تَبَعًا لانقلابِ إِحْرَامِهِ مِنْ أصْلِهِ، وَوُقُوعِهِ عنْ فَرْضِهِ، بخلافِ ما إذا طافَ للزيارَةِ بنِيَّةِ الوَدَاعِ أو التَّطوُّعِ، فإنَّ هذا لا يُجْزِئُهُ؛ لأنَّهُ لمْ يَنوِ بهِ الفَرضَ، ولم يَنْقَلِبْ فَرْضًا تَبَعًا لانْقِلابِ إحرامِهِ. واللَّهُ أعلمُ.

ومِمَّا يَدْخُلُ فِي هذا البابِ: أنَّ رَجُلًا فِي عهدِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانَ قدْ وَضَعَ صَدَقَتَهُ عندَ رجُلٍ، فجاءَ ابنُ صاحِبِ الصَّدَقَةِ فأخذَها مِمَّنْ هيَ عندَهُ، فعَلِمَ بذَلِكَ أَبُوهُ، فخَاصَمَهُ إلى النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالَ: ما إيَّاكَ أَرَدْتُ، فقالَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمُتَصَدِّقِ: (( لَكَ مَا نَوَيْتَ ) )، وقالَ للآخِذِ: (( لَكَ مَا أَخَذْتَ ) ). خَرَّجَهُ البُخَارِيُّ.

وقدْ أخَذَ الإِمامُ أحمدُ بهذا الحديثِ، وعَمِلَ بِهِ فِي المنصوصِ عنهُ، وإنْ كانَ أكثرُ أصحابِهِ على خلافِهِ؛ فإنَّ الرَّجُلَ إنَّما يُمْنَعُ مِنْ دَفْعِ الصَّدَقَةِ إلى وَلَدِهِ خَشْيَةَ أنْ يكونَ مُحَابَاةً، فإِذا وَصَلَتْ إلى وَلَدِهِ مِنْ حيثُ لا يَشْعُرُ، فالمُحَابَاةُ مُنْتَفِيَةٌ، وهوَ مِنْ أهلِ اسْتِحْقَاقِ الصَّدَقَةِ فِي نفسِ الأمرِ؛ ولهذا لوْ دَفَعَ صَدَقَتَهُ إلى مَنْ يَظُنُّهُ فَقِيرًا، وكان غَنِيًّا فِي نَفْسِ الأمْرِ، أجزأَتْهُ على الصَّحيحِ؛ لأنَّهُ إنَّما دفَعَ إلى مَنْ يَعْتَقِدُ اسْتِحْقَاقَهُ، والفَقْرُ أمْرٌ خَفِيٌّ لا يَكَادُ يُطَّلَعُ على حَقِيقَتِهِ.

وأمَّا الطَّهارةُ، فالخلافُ فِي اشتراطِ النِّيَّةِ لها مشهورٌ، وهوَ يَرْجِعُ إلى أنَّ الطَّهَارَةَ للصَّلاةِ هلْ هيَ عبادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، أمْ هيَ شَرْطٌ منْ شروطِ الصَّلاةِ، كإزالةِ النَّجاسةِ وسَتْرِ العورةِ؟ فمَنْ لمْ يَشْتَرِطْ لَها النِّيَّةَ جعَلَها كسائِرِ شُروطِ الصَّلاةِ، ومَن اشْتَرَطَ لَهَا النِّيَّةَ جعَلَها عبادةً مُسْتَقِلَّةً. فإذا كانَت عِبَادَةً فِي نفسِها لمْ تَصِحَّ بدونِ نِيَّةٍ، وهذا قولُ جمهورِ العلماءِ. ويَدُلُّ على صِحَّةِ ذَلِكَ تَكَاثُرُ النُّصوصِ الصَّحِيحَةِ عَن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنَّ الوُضُوءَ يُكَفِّرُ الذُّنوبَ والخطايا، وأنَّ مَنْ تَوَضَّأَ كما أُمِرَ كانَ كَفَّارةً لذُنُوبِهِ.

وهذا يَدُلُّ على أنَّ الوُضُوءَ المَأْمُورَ بِهِ فِي القرآنِ عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بنفسِهَا؛ حيثُ رُتِّبَ عليهِ تَكْفِيرُ الذُّنوبِ. والوُضوءُ الخالي عن النِّيَّةِ لا يُكَفِّرُ شيئًا من الذُّنُوبِ بالاتِّفاقِ، فلا يكونُ مأمورًا بهِ، ولا تَصِحُّ بهِ الصَّلاةُ؛ ولهذا لمْ يَرِدْ فِي شيءٍ منْ بَقِيَّةِ شرائِطِ الصَّلاةِ؛ كإزالَةِ النَّجاسَةِ وسَتْرِ العَوْرَةِ، ما وَرَدَ فِي الوُضوءِ مِن الثَّوابِ. ولوْ شَرَكَ بينَ نِيَّةِ الوُضُوءِ وبينَ قَصْدِ التَّبَرُّدِ، أوْ إزالةِ النَّجاسَةِ أو الوَسَخِ، أَجْزَأَهُ فِي المنصوصِ عن الشَّافِعِيِّ، وهوَ قولُ أكثرِ أصحابِ أحمدَ؛ لأنَّ هذا القصدَ ليسَ بمُحَرَّمٍ ولا مَكْرُوهٍ؛ ولهذا لوْ قَصَدَ معَ رَفْعِ الحدَثِ تعليمَ الوُضُوءِ لمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ. وقدْ كانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْصِدُ أحيانًا بالصَّلاةِ تعليمَها للنَّاسِ، وكذَلِكَ الحَجُّ، كما قالَ: (( خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ ) ).

ومِمَّا تدخُلُ النِّيَّةُ فيهِ مِنْ أبوابِ العِلْمِ: مسائِلُ الأيْمانِ.

فلَغْوُ اليمينِ لا كَفَّارةَ فيهِ، وهوَ ما جَرَى على اللِّسانِ مِنْ غيرِ قَصْدٍ بالقَلْبِ إليهِ، كقولِهِ: لا واللَّهِ، وبَلَى واللَّهِ، فِي أثناءِ الكلامِ، قالَ تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت