الصفحة 16 من 391

وكذَلِكَ يُرْجَعُ فِي الأَيْمَانِ إلى نِيَّةِ الحالِفِ وما قَصَدَ بيَمِينِهِ، فإنْ حَلَفَ بطلاقٍ أوْ عَتَاقٍ، ثمَّ ادَّعَى أنَّهُ نوَى ما يُخالِفُ ظاهِرَ لفْظِهِ، فإنَّهُ يُدَيَّنُ فيما بينَهُ وبينَ اللَّهِ عزَّ وجلَّ.

وهلْ يُقْبَلُ مِنهُ فِي ظاهِرِ الحُكْمِ؟ فيهِ قولانِ للعُلَمَاءِ مشهورانِ، وهما روايتانِ عَنْ أحمَدَ. وقدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ رُفِعَ إليهِ رَجُلٌ قالَتْ لهُ امْرَأَتُهُ: شَبِّهْنِي، قالَ: كَأَنَّكِ ظَبْيَةٌ، كأنَّكِ حَمَامةٌ، فقالَتْ: لا أَرْضَى حتَّى تَقُولَ: أَنْتِ خَلِيَّةٌ طَالِقٌ. فقالَ ذَلِكَ، فقالَ عُمَرُ: خُذْ بِيَدِهَا؛ فهيَ امْرَأَتُكَ. خرَّجَهُ أبو عُبَيْدٍ وقالَ: أرادَ النَّاقَةَ تكونُ مَعْقُولَةً، ثُمَّ تُطْلَقُ مِنْ عِقَالِهَا ويُخلَّى عنها، فهيَ خَلِيَّةٌ مِن العِقَالِ، وهيَ طالِقٌ؛ لأنَّها قدْ طَلَقَتْ مِنهُ. فأرَادَ الرَّجُلُ ذَلِكَ، فأَسْقَطَ عنهُ عُمَرُ الطَّلاقَ لنِيَّتَهِ. قالَ: وهذا أَصْلٌ لكُلِّ مَنْ تَكَلَّمَ بشيءٍ يُشْبِهُ لَفْظَ الطَّلاقِ والعَتَاقِ، وهوَ يَنْوِي غيْرَهُ، أنَّ القولَ فيهِ قولُهُ فيما بينَهُ وبينَ اللَّهِ، وفي الحُكْمِ على تأويلِ مَذْهَبِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ.

ويُرْوَى عنْ سُمَيْطٍ السَّدُوسِيِّ قالَ: خَطَبْتُ امْرَأَةً، فقالُوا: لا نُزَوِّجُكَ حتَّى تُطَلِّقَ امْرَأَتَكَ، فقُلْتُ: إنِّي قدْ طَلَّقْتُها ثلاثًا، فَزَوِّجُونِي. ثُمَّ نَظَرُوا فإِذا امْرَأَتِي عندِي، فقالُوا: ألَيْسَ قدْ طلَّقْتَها ثلاثًا؟ فقُلْتُ: كانَ عندِي فُلانَةٌ فَطَلَّقْتُها، وفُلانةٌ فطَلَّقْتُها، فأمَّا هذهِ فلمْ أُطلِّقْها، فأَتَيْتُ شَقِيقَ بنَ ثَوْرٍ وهوَ يُرِيدُ الخروجَ إلى عثمانَ وافِدًا، فقُلْتُ: سَلْ أميرَ المؤمنينَ عَنْ هذهِ، فخَرَجَ فسأَلَهُ، فقالَ: نِيَّتُهُ. خَرَّجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي (كتابِ الطَّلاقِ) ، وحَكَى إجماعَ العُلماءِ على مِثلِ ذَلِكَ.

وقالَ إسحاقُ بنُ مَنْصُورٍ: قُلْتُ لأحمدَ: حديثُ السُّمَيْطِ تَعْرِفُهُ؟ قالَ: نَعَمْ، السَّدُوسِيُّ، إنَّما جَعَلَ نِيَّتَهُ بذَلِكَ، فذَكَرَ ذَلِكَ شَقِيقٌ لعُثْمَانَ، فجَعَلَها نِيَّتَهُ. فإنْ كانَ الحالِفُ ظالِمًا، ونوَى خِلافَ ما حَلَّفَهُ عليهِ غَرِيمُهُ، لمْ تَنْفَعْهُ نِيَّتُهُ. وفي (صحيحِ مسلمٍ) : عنْ أبي هُريرةَ، عَن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ عَلَيْهِ صَاحِبُكَ ) )، وفي روايَةٍ لهُ: (( الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ ) ). وهذا مَحْمُولٌ على الظَّالِمِ، فأَمَّا المَظْلُومُ فيَنْفَعُهُ ذَلِكَ. وقدْ خرَّجَ الإِمامُ أحمدُ وابنُ مَاجَهْ مِنْ حديثِ سُوَيْدِ بنِ حَنْظَلَةَ قالَ: خَرَجْنَا نُرِيدُ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومَعَنَا وائِلُ بنُ حُجْرٍ، فَأَخَذَهُ عَدُوٌّ لهُ، فتَحَرَّجَ النَّاسُ أنْ يَحْلِفُوا، فحَلَفْتُ أنا إنَّهُ أخي، فخَلَّى سبيلَهُ. فأَتَيْنَا النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ أنَّ القومَ تَحَرَّجُوا أنْ يَحْلِفُوا، وحَلَفْتُ أنا إنَّهُ أَخِي، فقالَ: (( صَدَقْتَ، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ ) ).

وكذَلِكَ تَدْخُلُ النِّيَّةُ فِي الطَّلاقِ والعَتَاقِ، فإذا أَتَى بلفظٍ مِنْ ألفاظِ الكِنَايَاتِ المُحْتَمِلَةِ للطَّلاقِ أو العَتَاقِ، فلا بُدَّ لهُ مِن النِّيَّةِ.

وهلْ يَقُومُ مَقَامَ النِّيَّةِ دَلالةُ الحالِ مِنْ غَضَبٍ أوْ سُؤَالِ الطَّلاقِ ونحوِهِ أمْ لا؟ فيهِ خلافٌ مَشْهورٌ بينَ العُلَماءِ، وهلْ يَقَعُ بذَلِكَ الطَّلاقُ فِي الباطِنِ كما لوْ نَوَاهُ، أمْ يُلْزَمُ بهِ فِي ظاهِرِ الحُكْمِ فقطْ؟ فيهِ خِلافٌ مشهورٌ أيضًا، ولوْ أوْقَعَ الطَّلاقَ بكنايَةٍ ظاهِرَةٍ، كَالْبَتَّةِ ونحوِها، فهلْ يَقَعُ بهِ الثَّلاثُ أوْ واحِدَةٌ؟ فيهِ قولانِ مشهورانِ. وظاهِرُ مذهبِ أحمدَ أنَّهُ يَقَعُ بهِ الثَّلاثُ معَ إطلاقِ النِّيَّةِ، فإنْ نوَى بِهِ ما دُونَ الثَّلاثِ وقَعَ بهِ مَا نوَاهُ، وحُكِيَ عنهُ رِوَايَةٌ: أنَّهُ يَلْزَمُهُ الثَّلاثُ أيضًا.

ولوْ رأَى امرأةً فَظَنَّها امرَأَتَهُ فطلَّقَها، ثمَّ بانَتْ أجْنَبِيَّةً، طَلُقَت امْرأَتُهُ؛ لأنَّهُ إنَّما قَصَدَ طلاقَ امْرَأَتِهِ. نَصَّ على ذَلِكَ أحمدُ، وحُكِيَ عنهُ روايَةٌ أُخْرَى: أنَّها لا تَطْلُقُ، وهوَ قولُ الشَّافِعِيِّ. ولوْ كانَ العَكْسُ، بأنْ رأَى امْرَأَةً ظَنَّها أجْنَبِيَّةً فَطَلَّقَها، فَبَانَت امْرَأَتُهُ، فهلْ تَطْلُقُ؟ فيهِ قولانِ هما رِوَايتانِ عنْ أحمدَ. والمشهورُ مِنْ مذهَبِ الشَّافِعِيِّ وغيرِهِ أنَّها تَطْلُقُ.

ولوْ كانَ لَهُ امْرَأَتَانِ، فنَهَى إحداهُمَا عَن الخُرُوجِ، ثُمَّ رأَى امرَأَةً قدْ خَرَجَتْ، فَظَنَّها المَنْهِيَّةَ، فقالَ لها: فُلانةُ خَرَجْتِ؟ أنتِ طالِقٌ، فقد اخْتَلَفَ العُلماءُ فيها، فقالَ الحسَنُ: تَطْلُقُ المَنْهِيَّةُ؛ لأنَّها هيَ الَّتي نَوَاهَا. وقالَ إبراهيمُ: تَطْلُقَانِ. وقالَ عَطَاءٌ: لا تَطْلُقُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت