الصفحة 14 من 391

فأمَّا إذا عَمِلَ العَمَلَ للَّهِ خالِصًا، ثمَّ أَلْقَى اللَّهُ لهُ الثَّناءَ الحَسَنَ فِي قُلُوبِ المؤمِنينَ بذَلِكَ، ففَرِحَ بفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ، واسْتَبْشَرَ بذَلِكَ، لمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ.

وفي هذا المعنى جاءَ حديثُ أبِي ذَرٍّ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّهُ سُئِلَ عن الرَّجُلِ يَعْمَلُ العَمَلَ للَّهِ مِن الخيرِ ويَحْمَدُهُ النَّاسُ عليهِ، فقالَ: (( تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ ) ). خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ، وخرَّجَهُ ابنُ مَاجَهْ، وعندَهُ: (الرَّجُلِ يَعْمَلُ العَمَلَ للَّهِ فيُحِبُّهُ النَّاسُ عليهِ) . وبهذا المَعْنَى فسَّرَهُ الإِمامُ أحمدُ، وإسحاقُ بنُ رَاهُويَهْ، وابنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وغيرُهم.

وكذَلِكَ الحديثُ الذي خرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وابنُ مَاجَهْ مِنْ حديثِ أبي هُرَيْرَةَ، أنَّ رجُلًا قالَ: يا رسولَ اللَّهِ، الرَّجُلُ يَعْمَلُ العَمَلَ فَيُسِرُّهُ، فإِذا اطُّلِعَ عليهِ أَعْجَبَهُ، فقالَ: (( لَهُ أَجْرَانِ: أَجْرُ السِّرِّ، وَأَجْرُ الْعَلَانِيَةِ ) ).

ولْنَقْتَصِرْ على هذا المِقْدَارِ مِن الكلامِ على الإِخلاصِ والرِّيَاءِ؛ فإنَّ فيهِ كِفَايَةً.

وبالجُمْلَةِ، فما أَحْسَنَ قَوْلَ سَهْلِ بنِ عبدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيِّ: ليسَ على النَّفسِ شيءٌ أَشَقَّ مِن الإخلاصِ؛ لأنَّهُ ليسَ لَهَا فيهِ نَصِيبٌ.

وقالَ يُوسُفُ بنُ الحُسَينِ الرَّازِيُّ: أَعَزُّ شيءٍ فِي الدُّنيا الإخلاصُ، وكمْ أَجْتَهِدُ فِي إِسْقَاطِ الرِّياءِ عَنْ قلْبِي، وكأنَّهُ يَنْبُتُ فيهِ على لَوْنٍ آخَرَ.

وقالَ ابنُ عُيَيْنَةَ: كانَ مِنْ دُعاءِ مُطَرِّفِ بنِ عبدِ اللَّهِ: اللَّهُمَّ إنَّي أَسْتَغْفِرُكَ مِمَّا تُبْتُ إليكَ مِنهُ ثُمَّ عُدْتُ فيهِ، وأَسْتَغْفِرُكَ مِمَّا جَعَلْتُهُ لكَ على نَفْسِي ثُمَّ لمْ أَفِ لكَ بِهِ، وأَسْتَغْفِرُكَ مِمَّا زَعَمْتُ أنِّي أَرَدْتُ بِهِ وَجْهَكَ فَخَالَطَ قَلْبِي مِنهُ ما قدْ عَلِمْتَ.

فَصْلٌ

وأمَّا النِّيَّةُ بالمعنَى الَّذي يَذْكُرُهُ الفُقهاءُ، وهوَ أنَّهُ تَمْييزُ العِبَادَاتِ مِن العاداتِ، وتَمْييزُ العِبَاداتِ بعضِها مِنْ بعضٍ؛ فإنَّ الإمساكَ عن الأكْلِ والشُّرْبِ يَقَعُ تارَةً حَمِيَّةً، وتَارَةً لعدَمِ القُدْرَةِ على الأكلِ، وتارَةً تَرْكًا للشَّهَوَاتِ للَّهِ عزَّ وجلَّ، فيُحْتَاجُ فِي الصِّيامِ إلى نِيَّةٍ؛ لِيتَمَيَّزَ بذَلِكَ عَنْ تَرْكِ الطَّعامِ على غيرِ هذا الوَجْهِ. وكذَلِكَ العباداتُ؛ كالصَّلاةِ والصِّيامِ، مِنها فَرْضٌ، ومِنها نَفْلٌ.

والفرضُ يَتَنَوَّعُ أنواعًا؛ فإنَّ الصَّلواتِ المفروضاتِ خَمْسُ صلواتٍ كُلَّ يومٍ وليلةٍ، والصَّومَ الواجِبَ تارَةً يكونُ صيامَ رمضانَ، وتارةً صيامَ كفَّارَةٍ، أوْ عنْ نَذْرٍ، ولا يَتَمَيَّزُ هذا كُلُّهُ إلَّا بالنِّيَّةِ. وكذَلِكَ الصَّدَقَةُ، تكونُ نَفْلًا وتكونُ فَرْضًا، والفَرْضُ مِنه زَكَاةٌ، ومِنهُ كفَّارَةٌ، ولا يَتَمَيَّزُ ذَلِكَ إلَّا بالنِّيَّةِ، فيَدْخُلُ ذَلِكَ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى ) ).

وفي بعضِ ذَلِكَ اخْتِلافٌ مَشْهُورٌ بينَ العُلَمَاءِ؛ فإنَّ مِنهم مَنْ لا يُوجِبُ تَعْيِينَ النِّيَّةِ للصَّلاةِ المفروضَةِ، بلْ يَكْفِي عندَهُ أن يَنْوِيَ فَرْضَ الوَقْتِ، وإنْ لمْ يَسْتَحْضِرْ تَسْمِيَتَهُ فِي الحالِ، وهوَ رِوَايَةٌ عن الإِمامِ أحمدَ. ويُبنَى على هذا القولِ: أنَّ مَنْ فاتَتْهُ صَلاةٌ مِنْ يومٍ وليلَةٍ، ونَسِيَ عَيْنَها، أنَّ عليهِ أن يَقْضِيَ ثلاثَ صَلَوَاتٍ: الفجرَ والمغرِبَ ورُبَاعِيَّةً واحِدَةً.

وكذَلِكَ ذَهَبَ طائِفَةٌ مِن العُلماءِ إلى أنَّ صيامَ رمضانَ لا يَحْتَاجُ إلى نِيَّةٍ تَعْيِينِيَّةٍ أيضًا، بلْ تُجْزِئُ بِنِيَّةِ الصِّيامِ مُطلقًا؛ لأنَّ وَقْتَهُ غيرُ قابِلٍ لصيامٍ آخَرَ، وهوَ أيضًا رِوايَةٌ عن الإِمامِ أحمدَ. ورُبَّما حُكِيَ عنْ بعْضِهِم أنَّ صيامَ رَمَضَانَ لا يَحْتَاجُ إلى نِيَّةٍ بالكُلِّيَّةِ؛ لِتَعيِينِهِ بنفسِهِ، فهوَ كَرَدِّ الودائِعِ. وحُكِيَ عن الأَوْزَاعِيِّ أنَّ الزَّكاةَ كذَلِكَ. وتأوَّلَ بعضُهم قولَهُ على أنَّهُ أرادَ أنَّها تُجْزِئُ بنِيَّةِ الصَّدَقَةِ المُطْلَقَةِ كالحَجِّ. وكذَلِكَ قالَ أبو حَنِيفَةَ: لوْ تَصَدَّقَ بالنِّصَابِ كُلِّهِ مِنْ غيرِ نِيَّةٍ أَجْزَأَهُ عنْ زَكاتِهِ.

وقدْ رُوِيَ عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُلَبِّي بالحَجِّ عنْ رَجُلٍ، فقالَ لَهُ: (( أَحَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ ) )قالَ: لا، قالَ: (( هَذِهِ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنِ الرَّجُلِ ) ). وقدْ تُكُلِّمَ فِي صِحَّةِ هذا الحديثِ، ولكنَّهُ صحيحٌ عن ابنِ عبَّاسٍ وغيرِهِ. وأَخَذَ بذَلِكَ الشَّافِعِيُّ، وأحمدُ فِي المشهورِ عنهُ، وغيْرُهما، فِي أَنَّ حَجَّةَ الإِسلامِ تَسْقُطُ بِنِيَّةِ الحَجِّ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ نَوَى التَّطَوُّعَ أوْ غيرَهُ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت