الصفحة 13 من 391

وفي مَرَاسِيلِ القاسِمِ بنِ مُخَيْمِرَةَ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( لَا يَقْبَلُ اللَّهُ عَمَلًا فِيهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ خَرْدَلٍ مِنْ رِيَاءٍ ) ).

ولا نَعْرِفُ عن السَّلَفِ فِي هذا خِلافًا، وإنْ كانَ فيهِ خِلافٌ عَنْ بعضِ المُتَأَخِّرِينَ.

فإنْ خَالَطَ نِيَّةَ الجِهَادِ مَثلًا نِيَّةٌ غيرُ الرِّياءِ، مِثْلُ أخْذِ أُجْرَةٍ للخِدْمَةِ، أوْ أَخْذِ شيءٍ مِن الغَنِيمَةِ، أو التِّجَارَةُ، نَقَصَ بذَلِكَ أجْرُ جِهَادِهِم، ولمْ يَبْطُلْ بالكُلِّيَّةِ. وفي (صحيحِ مسلمٍ) : عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( إِنَّ الْغُزَاةَ إِذَا غَنِمُوا غَنِيمَةً تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَغْنَمُوا شَيْئًا تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ ) ).

وقدْ ذَكَرْنَا فيما مَضَى أحادِيثَ تَدُلُّ على أنَّ مَنْ أرَادَ بجِهَادِهِ عَرَضًا مِن الدُّنيا أنَّهُ لا أَجْرَ لهُ، وهيَ مَحْمُولَةٌ على أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لهُ غَرَضٌ فِي الجِهَادِ إلَّا الدُّنيا.

وقالَ الإِمامُ أحمدُ: التَّاجِرُ والمُسْتَأْجِرُ والمُكَارِي أَجْرُهُمْ على قَدْرِ ما يَخْلُصُ مِنْ نِيَّتِهِم فِي غَزَاتِهِم، ولا يكونُ مِثلَ مَنْ جَاهَدَ بنفسِهِ ومالِهِ لا يَخْلِطُ بِهِ غيرَهُ.

وقالَ أيضًا فيمَنْ يأَخْذُ جُعْلًا على الجِهَادِ: إذا لمْ يَخْرُجْ لأجْلِ الدَّرَاهِمِ فلا بأسَ أنْ يَأْخُذَ، كأنَّهُ خَرَجَ لدِينِهِ، فإنْ أُعْطِيَ شيئًا أَخَذَهُ.

وكذا رُوِيَ عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو قالَ: إذا أَجْمَعَ أحدُكم على الغَزْوِ، فعَوَّضَهُ اللَّهُ رِزْقًا، فلا بأسَ بذَلِكَ. وأمَّا إِنْ أَحَدُكُم إنْ أُعْطِيَ دِرْهَمًا غَزَا، وإنْ مُنِعَ دِرْهَمًا مَكَثَ، فلا خيرَ فِي ذَلِكَ.

وكذا قالَ الأَوْزَاعِيُّ: إِذا كانَتْ نِيَّةُ الغَازِي على الغَزْوِ فلا أَرَى بَأْسًا.

وهكذا يُقالُ فيمَنْ أَخَذَ شيئًا فِي الحَجِّ لِيَحُجَّ بِهِ: إمَّا عَنْ نفسِهِ، أوْ عَنْ غيرِهِ. وقدْ رُوِيَ عنْ مُجَاهِدٍ أنَّهُ قالَ فِي حَجِّ الجَمَّالِ وحَجِّ الأَجِيرِ وحَجِّ التَّاجِرِ: هوَ تَمَامٌ، لا يَنقُصُ مِنْ أُجُورِهِم شيءٌ، وهوَ مَحْمولٌ على أنَّ قَصْدَهم الأصلِيَّ كانَ هوَ الحَجَّ دُونَ التَّكسُّبِ.

وأمَّا إنْ كانَ أصْلُ العَمَلِ لِلَّهِ، ثمَّ طَرَأَتْ عليهِ نِيَّةُ الرِّياءِ، فإنْ كانَ خَاطِرًا ودفَعَهُ فلا يَضُرُّهُ بغيرِ خِلافٍ. وإن اسْتَرْسَلَ معَهُ، فَهَلْ يُحْبَطُ بهِ عَمَلُهُ أمْ لا يَضُرُّهُ ذَلِكَ ويُجَازَى على أصْلِ نِيَّتِهِ؟ فِي ذَلِكَ اخْتِلافٌ بينَ العُلَمَاءِ مِن السَّلَفِ، قدْ حكاهُ الإِمامُ أحمدُ وابنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وَرَجَّحَا أنَّ عمَلَهُ لا يَبْطُلُ بذَلِكَ، وأنَّهُ يُجَازَى بنِيَّتِهِ الأُولى. وهوَ مَرْوِيٌّ عن الحسنِ البَصْرِيِّ وغيرِهِ.

ويُسْتَدَلُّ لهذا القولِ بما خَرَّجَهُ أبو داودَ فيِ (مراسيلِهِ) عنْ عطاءٍ الخُرَاسَانِيِّ، أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ بَنِي سَلِمَةَ كُلَّهُم يُقَاتِلُ، فمِنْهم مَنْ يُقاتِلُ للدُّنْيَا، ومِنهم مَنْ يُقاتِلُ نَجْدَةً، ومِنهم مَنْ يُقاتِلُ ابتغاءَ وَجْهِ اللَّهِ، فَأَيُّهُم الشَّهيدُ؟ قالَ: (( كُلُّهُمْ إِذَا كَانَ أَصْلُ أَمْرِهِ أَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ) ).

وذَكَرَ ابنُ جريرٍ أنَّ هذا الاخْتِلافَ إنَّما هوَ فِي عَمَلٍ يَرْتَبِطُ آخِرُهُ بأوَّلِهِ؛ كالصَّلاةِ والصِّيامِ والحَجِّ. فأمَّا ما لا ارْتِبَاطَ فيهِ، كالقِرَاءَةِ والذِّكْرِ وإِنْفَاقِ المالِ ونَشْرِ العِلْمِ؛ فإنَّهُ يَنْقَطِعُ بِنِيَّةِ الرِّياءِ الطَّارِئَةِ عليهِ، ويَحْتَاجُ إلى تَجْدِيدِ نِيَّةٍ.

وكذَلِكَ رُوِيَ عنْ سُليمَانَ بنِ داودَ الهاشِمِيِّ أنَّهُ قالَ: رُبَّما أُحَدِّثُ بحديثٍ ولي نِيَّةٌ، فإذا أَتَيْتُ على بعْضِهِ تغيَّرَتْ نِيَّتِي، فإذا الحديثُ الواحِدُ يَحْتَاجُ إلى نِيَّاتٍ.

ولا يَرِدُ على هذا الجِهَادُ، كما فِي مُرْسَلِ عطاءٍ الخُرَاسَانِيِّ؛ فإنَّ الجِهَادَ يَلْزَمُ بِحُضُورِ الصَّفِّ، ولا يَجُوزُ تَرْكُهُ حينَئِذٍ، فيَصِيرُ كَالْحَجِّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت