الصفحة 12 من 391

واعْلَمْ أنَّ العَمَلَ لغيرِ اللَّهِ أقْسَامٌ: فتَارَةً يكونُ رِياءً مَحْضًا، بحيثُ لا يُرادُ بِهِ سِوَى مُرَاءَاةِ المَخْلُوقِينَ لغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ، كحالِ المُنَافِقِينَ فِي صلاتِهِم، كما قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 142] ، وقالَ تَعَالَى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ} الآيَةَ [المَاعُون: 4 - 6] .

وكذَلِكَ وَصَفَ اللَّهُ الكُفَّارَ بالرِّياءِ فِي قولِهِ: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنفال: 47] .

وهذا الرِّياءُ المَحْضُ لا يَكَادُ يَصْدُرُ مِنْ مُؤمنٍ فِي فَرْضِ الصَّلاةِ والصِّيامِ، وقدْ يَصْدُرُ فِي الصَّدَقَةِ الواجِبَةِ أو الحَجِّ، وغيرِهِمَا من الأعمالِ الظَّاهِرَةِ، أو الَّتِي يَتَعَدَّى نَفْعُها؛ فإنَّ الإخلاصَ فيها عَزِيزٌ، وهذا العَمَلُ لا يَشُكُّ مسلمٌ أنَّهُ حابِطٌ، وأنَّ صاحِبَهُ يَسْتَحِقُّ المَقْتَ مِن اللَّهِ والعُقُوبَةَ.

وتارَةً يكونُ العَمَلُ للَّهِ، ويُشارِكُهُ الرِّياءُ، فإنْ شارَكَهُ مِنْ أَصْلِهِ فالنُّصوصُ الصَّحيحةُ تَدُلُّ على بُطْلانِهِ وحُبُوطِهِ أيْضًا.

وفي (صحيحِ مُسلمٍ) : عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ ) ). وَخَرَّجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، ولفْظُهُ: (( فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ، وَهُوَ لِلَّذِي أَشْرَكَ ) ).

وخَرَّجَ الإمامُ أحمدُ عنْ شَدَّادِ بنِ أَوْسٍ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( مَنْ صَلَّى يُرَائِي فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ صَامَ يُرَائِي فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ تَصَدَّقَ يُرَائِي فَقَدْ أَشْرَكَ، وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: أَنَا خَيْرُ قَسِيمٍ لِمَنْ أَشْرَكَ بِي شَيْئًا، فَإِنَّ جُدَّةَ عَمَلِهِ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ لِشَرِيكِهِ الَّذِي أَشْرَكَ بِهِ، أَنَا عَنْهُ غَنِيٌّ ) ).

وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ والتِّرْمِذِيُّ وابنُ مَاجَهْ مِنْ حديثِ أبي سعيدِ بنِ أبي فَضَالَةَ -وكانَ مِن الصَّحابَةِ- قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ، نَادَى مُنَادٍ: مَنْ كَانَ أَشْرَكَ فِي عَمَلٍ عَمِلَهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَلْيَطْلُبْ ثَوَابَهُ مِنْ عِنْدَ غَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ ) ).

وخرَّجَ البَزَّارُ فِي (مُسْنَدِهِ) منْ حديثِ الضَّحَّاكِ بنِ قَيسِ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: أَنَا خَيْرُ شَرِيكٍ، فَمَنْ أَشْرَكَ مَعِي شَرِيكًا فَهُوَ لِشَرِيكِي. يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَخْلِصُوا أَعْمَالَكُمْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْأَعْمَالِ إِلَّا مَا أُخْلِصَ لَهُ. وَلَا تَقُولُوا: هَذَا لِلَّهِ وَلِلرَّحِمِ؛ فَإِنَّهَا لِلرَّحِمِ، وَلَيْسَ لِلَّهِ مِنْهَا شَيْءٌ. وَلَا تَقُولُوا: هَذا لِلَّهِ وَلِوُجُوهِكُمْ؛ فَإِنَّهَا لِوُجُوهِكُمْ، وَلَيْسَ لِلَّهِ فِيهَا شَيْءٌ ) ).

وخَرَّجَ النَّسَائِيُّ بإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عنْ أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ، أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا غزا يَلْتَمِسُ الأجْرَ والذِّكْرَ؟ فقالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَا شَيْءَ لَهُ ) )، فأعادَها ثلاثَ مَرَّاتٍ، يَقُولُ لَهُ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَا شَيْءَ لَهُ ) )، ثمَّ قالَ: (( إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ ) ).

وخرَّجَ الحاكِمُ مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ: قالَ رَجُلٌ: يَا رسولَ اللَّهِ، إنِّي أَقِفُ المَوْقِفَ أُرِيدُ وَجْهَ اللَّهِ، وأُرِيدُ أَنْ يُرَى مَوْطِنِي. فلَمْ يَرُدَّ عليهِ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شيئًا حتَّى نَزَلَتْ: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] .

ومِمَّن رُوِيَ عنهُ هذا المَعْنَى، وأنَّ العَمَلَ إذا خَالَطَهُ شيءٌ مِن الرِّياءِ كانَ باطِلًا، طائِفَةٌ مِن السَّلَفِ؛ مِنهمْ عُبَادَةُ بنُ الصَّامِتِ، وأبو الدَّرْدَاءِ، والحَسَنُ، وسعيدُ بنُ المُسَيِّبِ، وغيرُهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت