ويدل على صحة هذا التأويل رواية سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، حدثناه: أحمد بن إبراهيم بن مالك، قال: حدثنا: بشر بن موسى، قال: حدثنا: الحميدي، قال: حدثنا: سفيان، قال: أخبرنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله تسعة وتسعين اسما مائة غير واحد من حفظها دخل الجنة، وهو وتر، يحب الوتر» .
والوجه الثاني: أن يكون الإحصاء بمعنى الطاقة، كقوله سبحانه: {علم أن لن تحصوه} [المزمل: 20] ، أي: لن تطيقوه. وكقول النبي صلى الله عليه وسلم:
[18] «استقيموا، ولن تحصوا» ، أي: لن تطيقا كل الاستقامة. والمعنى: أن يطيقها، يحسن المراعاة لها، والمحافظة على حدودها في معاملة الرب سبحانه بها، وذلك مثل أن يقول: يا رحمن، يا رحيم، فيخطر بقلبه الرحمة, ويعتقدها صفة لله عز وجل فيرجو رحمته، ولا ييأس من مغفرته. كقوله تعالى: {لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعا، إنه هو الغفور الرحيم} [الزمر: 53] . وإذا قال: (السميع البصير) علم أنه لا يخفى على الله خافية، وأنه بمرأى منه ومسمع؛ فيخافه في
سره، وعلنه، ويراقبه في كافة أحواله، وإذا قال: (الرزاق) اعتقد أنه المتكلف برزقه، يسوقه إليه في وقته، فيثق بوعده، ويعلم أنه لا رازق له غيره، ولا كافي له سواه، وإذا قال: المنتقم، استشعر الخوف من نقمته، واستجار به من سخطه، وإذا قال: (الضار النافع) ؛ اعتقد أن الضر والنفع من قبل الله جل وع لا شريك له، وأن أحدًا من الخلق، لا يجلب إليه خيرًا، ولا يصرف عنه شرًا، وأن لا حول لأحد، ولا قوة إلا به. وكذلك إذا قال: (القابض الباسط) ، و (الخافض الرافع) ، و (المعز المذل) . وعلى هذا سائر هذه الأسماء.
والوجه الثالث: أن يكون الإحصاء بمعنى العقل والمعرفة، فيكون معناه أن من عرفها وعقل معانيها، وآمن بها دخل الجنة، مأخوذ من الحصاة، وهي العقل. قال طرفة:
وإن لسان المرء ما لم تكن له
... حصاة على عوراته لدليل
والعرب تقول: فلان ذو حصاة، أي: ذو عقل، ومعرفة بالأمور.
والوجه الرابع: أن يكون معنى الحديث أن يقرأ القرآن حتى يختمه فيستوفي هذه الأسماء كلها في أضعاف التلاوة. فكأنه قال: من حفظ القرآن وقرأه فقد استحق دخول الجنة، وذهب إلى نحو من هذا أبو عبد الله الزبيري - رحمه الله - وقال: تأملت الأسماء التي جاءت في الأخبار، والآثار، فلما قابلتها بما جاء في القرآن وجدتها مائة، وثلاثة عشر اسمًا، وإنما زادت على المبلغ المذكور في الخبر؛ لأني حسبتها متكررة. كقوله: القدير، والقادر، والمقتدر، والرازق، والرزاق، والغفور والغافر، والغفار، فحذفت التكرير، فوجدتها سواء على ما وصفت لك، ثم سردت الأسماء من القرآن، سورة سورة وتركتها كراهة التطويل.