فأما أغاليط من جمح به اللسان، واعتسف أودية الكلام من الأعراب، وغيرهم، الذين لم يعنوا بمعرفة الترتيب، ولم يقومهم ثقاف التأديب، كقول بعضهم في استسقاء الغيث:
رب العباد ما لنا وما لكا
قد كنت تسقينا فما بدا لكا
أنزل علينا الغيث لا أبا لكا
وكقول القائل من قريش حين هدموا الكعبة في الجاهلية،
وأرادوا بناءه على أساس إبراهيم صلوات الله عليه فجاءت حية عظيمة، فحملت عليهم، فارتدعوا. فعند ذلك قال شيخ منهم كبير.
«اللهم لا ترع، ما أردنا إلا تشييد بيتك، وتشريفه» وكقول بعضهم - وإن كان من المذكورين في الزهاد: «نعم المرء ربنا، لو أطعناه لم يعصنا» فإنها في أخواتها، ونظائرها عجرفية في الكلام، وتهور فيه، والله سبحانه متعال عن هذه النعوت، وذكره منزه عن مثل هذه الأمور، وقد روينا عن عون بن عبد الله، أنه كان يقول:
«ليعظم أحدكم ربه، أن يذكر اسمه في كل شيء، حتى يقول: أخزى الله الكلب، وفعل الله به كذا» . وكان بعض من أدركناه من مشايخنا قل ما يذكر اسم الله جل وعلا إلا فيما
يتصل بطاعة، أو قربة، وكان يقول للرجل إذا جزاه خيرًا: جزيت خيرًا، وقل ما يقول: جزاك الله خيرًا، إعظامًا للاسم أن يمتهن في غير قربة، أو عبادة.
ومما يجب أن يراعى في الأدعية، الإعراب الذي هو عماد الكلام، وبه يستقيم المعنى، وبعدمه يختل، ويفسد، وربما انقلب المعنى باللحن حتى يصير كالكفر، إن اعتقده صاحبه. كدعاء من دعا، أو قراءة من قرأ: {إياك نعبد وإياك نستعين} بتخفيف الياء من إياك، فإن الأيا ضياء الشمس، فيصير كأنه يقول شمسك نعبد. وهذا كفر.
وأخبرني محمد بن بحر الرهني، قال: حدثني الشاه بن الحسن قال: قال: أبو عثمان المازني لبعض تلامذته: عليك بالنحو؛ فإن بني إسرائيل كفرت بحرف ثقيل خففوه، قال
الله عز وجل لعيسى: {إني ولدتك} فقالوا: «إني ولدتك» فكفروا.
وأخبرني أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل، قال: حدثنا ابن المرزبان عن الرياشي، قال: مر الأصمعي برجل يقول في دعائه: «يا ذو الجلال والإكرام» فقال ما اسمك؟ قال: ليث. فأنشأ يقول:
ينادي ربه باللحن ليث ... لذاك إذا دعاه لا يجيب
[قال أبو سليمان] :
وإذ قد أتينا بما قد وجب تقديمه من شرائط صحة الدعاء، فلنعمد لتفسير ما جاء منه مأثورًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.