فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 58

ويستحب الاقتصار على جوامع الدعاء، ويكره الاعتداء فيه، وليس معنى الاعتداء الإكثار منه.

[11] فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله يحب الملحين في الدعاء» . وقال:

[12] «إذا دعا أحدكم، فليستكثر، فإنما يسأل ربه» . وإنما هو مثل ما روي عن سعد: أنه سمع ابنًا له يقول:

[شأن الدعاء: 14]

[13] «اللهم إني أسألك الجنة، ونعيمها، وبهجتها، وكذا، وكذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها وكذا وكذا، فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء» فإياك أن تكون منهم، فإنك إذا سألتها، فأعطيتها، أعطيتها وما فيها، وإذا تعذوت من النار، فأعذت منها، أعذت منها ومما فيها من الشر».

ويكره في الدعاء السجع، وتكلف صنعة الكلام له، ولا يجوز أن يدعا بالمحال، وأن يطلب ما لا مطمع فيه، كمن يدعو بالخلود في الدنيا، وقد علم، أن الله سبحانه استأثر بالبقاء، وكتب الفناء على جميع خلقه. ولا يدعو بمعصية، ولا بقطيعة رحم، ونحوها من الأمور المحظورة، وليتخير لدعائه، والثناء على ربه، أحسن الألفاظ، وأنبلها، وأجمعها للمعاني، وأبينها؛ لأنه مناجاة العبد سيد السادات الذي ليس له مثل، ولا نظير، ولو تقدم بعض خدم ملوك أهل الدنيا إلى صاحبه، ورئيسه في حاجة، يرفعها إليه، أو معونة يطلبها منه، لتخير له محاسن الكلام، ولتخلص إليه بأجود ما يقدر عليه من البيان، ولئن لم يستعمل هذا المذهب في مخاطبته إياه، ولم يسلك هذه الطريقة فيها معه، أوشك أن ينبو سمعه عن كلامه، وأن لا يحظى بطائل من حاجته عنده.

[شأن الدعاء: 15]

فما ظنك برب العزة سبحانه وبمقام عبده الذليل بين يديه، ومن عسى أن يبلغ بجهد بيانه كنه الثناء عليه؟ وهذا رسوله، وصفيه صلى الله عليه وسلم قد أظهر العجز، والانقطاع دونه؛ فقال في مناجاته:

[14] «وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت، كما أثنيت على نفسك» . فسبحان من جعل عجز العاجزين عن شكره، والثناء عليه شكرًا لهم، كما جعل معرفة العارفين بأنهم لا يدركون كنه صفته إيمانًا لهم، وقد أولع كثير من العامة بأدعية منكرة اخترعوها، وأسماء سموها، ما أنزل الله بها من سلطان وقد يوجد في أيديهم دستور من الأسماء، والأدعية يسمونه: «الألف الاسم» . صنعها لهم بعض المتكلفين من أهل الجهل، والجرأة على الله، عز وجل، أكثرها زور، وافتراء على الله، عز وجل، فليجتنبها الداعي إلا ما وافق منها الصواب. إن شاء الله تعالى

[شأن الدعاء: 16]

ومما يسمع على ألسنة العامة، وكثير من القصاص، قولهم: يا سبحان - يا برهان - يا غفران - يا سلطان، وما أشبه ذلك.

وهذه الكلمات، وإن كان يتوجه بعضها في العربية على إضمار النسبة بذي، فإنه مستهجن، مهجور، لأنه لا قدوة فيه، ويغلط كثير منهم في مثل قولهم: يا رب طه - ويس، ويا رب القرآن العظيم.

وأول من أنكر ذلك ابن عباس رحمه الله فإنه سمع رجلًا، يقول عند الكعبة: «يا رب القرآن» . فقال:

[15] «مه! إن القرآن لا رب له، إن كل مربوب مخلوق» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت