فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 57

وإذا صرح بالاختيار قيل: إنما قال ذلك خوفًا وتقية (1)

(1) نحن نعلم أن ابن تيمية يصرح في بعض المواضع بل في كثير منها أن الله تعالى هو خالق جميع المخلوقات، وأنه لا يوجد مخلوق قديم بعينه. نحن لا ننكر هذا، ولكن قوله بهذا ظاهره إثبات مطلق الاختيار لله تعالى، وقوله بما نقلناه عنه آنفًا ظاهرة القول بالوجوب، أي بوجوب الخلق على الله تعالى. فكيف يكون موقف الباحث المسلم من مثل هذه النصوص؟

إن المؤيدين لابن تيمية غالبًا لا يلتفتون إلى النصوص المشكلة، أي: إلى النصوص التي ينكرها مخالفوه ويعارضونه لأجلها، ويسارعون باستحضار النصوص والمواضع التي لا خلاف عليها والتي يرضي عنها الطرف المعارض، ثم يشرعون بالتعجب من معارضة المعارضين وإنكار المنكرين. وهذا الموقف غلط بلا شك، فإن الأصل الالتفات إلى موضع الخلاف ومحاولة حله.

وحل الخلاف لا يتأتى في هذه الحالة بسهولة بأن يقال: إننا نحمل كلامه المشكل على كلامه الصحيح فينحل الإشكال! لأن هذه الطريقة ليست صحيحة، وفيها مخالفة لمراد ابن تيمية على نفسه.

ولكن الطريقة الصحيحة هي أن نحمل العام على الخاص، فتقيد العام بالخاص، ونحمل المطلق على المقيد.

والموضع الذي يقول ابن تيمية فيه بأن كون الله خالقًا فعلًا أكمل له سبحانه، أي: إن وجود المخلوقات بالفعل أكمل لله تعالى من عدم وجودها، هذا الموضع خاص ومفصل ومقيد ولا إجمال فيه، فالأصل أنه يجب حمل سائر كلامه في المواضع الأخرى على هذا الموضع، وبهذا يثبت قوله عليه وينحل الإشكال.

ولا يجوز أن يقول قائل: إنه مادام وجد كلام صحيح لابن تيمية وكلام غلط فالأصل الأخذ بالكلام الصحيح، والأصل إحسان الظن بالمسلم.

هذا الكلام هنا لا معنى له، لأن إحسان الظن أو عدمه لا موضع له في أبحاث العقائد، لأننا لا نتهم ابن تيمية أصلًا بخيانة الدين أو محاولة تخريبه حتى نعارض بوجوب إحسان الظن به، ولو كان هذا نزاعنا لأخذنا بهذه القاعدة حينذاك، لأن الأصل فعلًا هو إحسان الظن به، ولكن الكلام معه إنما هو من حيث الصواب والخطأ.

فإننا نقول: إن ابن تيمية وهو يقرر هذه العقائد يعتقد فعلًا أن هذه هي العقائد الصحيحة، فهو لا يريد تخريب الدين ولا هدم العقائد، ولكن كلامنا معه هو: هل فهمه الذي توصل إليه للدين هو الفهم الصحيح؟ وهل هو مطابق لما جاءت به النصوص ولما صرح به أهل السنة بل سائر المسلمين سواه؟، هذا هو أصل الإشكال، ومن البين أنه لا محل لإحسان الظن هنا. وأما من يقول: إن ابن تيمية ربما تراجع عن كلامه هذا، فنقول:

نحن ندعو الله تعالى ونسأله أن يكون ابن تيمية قد تراجع فعلًا عن هذا الكلام قبل موته، ولكن هذا الرجاء والأمل لا يحل الإشكال أيضًا، إذ لا بد من بيان الصحيح من الخطأ في كلامه، لئلا يغتر به الآخرون.

والذي نعلمه من حال ابن تيمية أنه كان لا يصرح دائمًا بكل ما يقصده من العقائد، لأن الحال الذي كان فيه - وهو وجود معارضة شديدة له، وعلماء لا يترددون في مخالفته إذا رأوه نطق صراحة بمثل هذه الكلمات-، هذا الحال كان يمنعه من التصريح بكل ما يعتقد، كما يشهد لذلك ما نقلته كتب التاريخ من أحواله مع مناظريه ومحاكميه من العلماء.

ولهذا، تجده في غالب كتبه المهمة قد أجرى نقاشاتها على ألسنة أخرى غير لسانه، مع أنه من الواضح أنه إنما يعبر بها عن عقائده الخاصة، وتجده أيضًا يكثر من ذكر الاحتمالات ويعوم الكلام بحيث لا يظهر تمامًا ما يريده، وذلك كله تمهيدًا لتخلصه عند السؤال، والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت