فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 57

، فإن هؤلاء إنما قالوا ذلك ليخالفوا به من قال بلزوم الفعل والمفعول له بالأزل، فقالوا: إذا كان فعله ومفعوله لازمين له في الأزل كانا دائمي الوجود أزلًا، لوجوب دوام اللازم بدوام وجود الملزوم، ويلزم أن لا يكون الفاعل فاعلًا في ذلك المفعول، فإن القصد إلى إيجاد الموجود محال، ويلزم تعطيل الرب عن الفعل، وهو محال وكفر، فيجب أن الرب كان

ولا شيء، ثم بدأ فخلق الشيء بمشيئته في الوقت (1) الذي أراد خلقه فيه، والذي اقتضت الحكمة خلقه فيه.

وبهذا يظهر أنه فاعل بالاختيار لا موجب بالذات (2) ، وذلك الشيء الذي ابتدأ الله الخلق به هو أول الحوادث، فالقول بأنه ليس لها أول: محال، وتلبيس على الجهال (3) .

وإذا كان هذا هو قصد هؤلاء الأئمة أعني: مخالفة من عطل الرب عن الفعل لا مخالفة من أثبت لله الفعل الاختياري واعتقد لازمة وهو وجوب تأخره عن وجود فاعله وعن مشيئته: فمن قصد مخالفة هؤلاء الأئمة وقال بلزوم الفعل والمفعول أو بقدم شيء من العالم لزمه موافقة أولئك في التعطيل ونفي الاختيار والكفر، وإلا لكان موافقًا لهؤلاء الأئمة لا مخالفًا (4)

(1) يعني: المقدر ذهنًا لا وجودًا خارجيًا، لاستحالة وجود الزمان دون وجود الحوادث.

(2) الموجب بالذات هو الذي يصدر عنه الفعل والمفعول ويفيض عنه، ولا يمكن إلا أن يصدر عنه المفعول، ولذلك أنه يستحيل كونه فاعلًا بالإرادة، وهو قول الفلاسفة القائلين بالفيض.

(3) هذه الفقرة هي تلخيص لمذهب أهل السنة واعتقادهم في هذه المسألة، فاجتهد أن تفهمها، وتمسك بها، لأنها الحق الذي لا ريب فيه.

(4) يقول العلامة الإخميمي: إذا كان قصد الأئمة من أهل السنة و إثبات الاختيار لله تعالى في إيجاده للمخلوقات - ولهذا قالوا بحدوث العالم بعد أن لم يكن موجودًا - فإنه يعلم أن من خالفهم يلزمه نفي اختيار الله تعالى لإيجاد المخلوقات.

وإذا ادعى أنه لا ينفي الاختيار يلزم أنه يوافق هؤلاء الأئمة رضي الله عنهم، فلماذا إذن يقول بعدم وجود بداية للمخلوقات؟! فهذا ينافي الاختيار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت