، فمن قال بقدم شيء من العالم لزمه نفي الاختيار، لا سيما إذا كان مقصود هذا القائل بلزوم الفعل للرب (1) ، وبقدم فرد من العالم: الرد على الأشعري وعلى
من يقول: كان الله ولا شيء ثم خلق الشيء، كالإمام أحمد وسائر المسلمين أئمتهم وعامتهم (2)
(1) أي: إن القائل إذا صرح بلزوم الفعل للرب عز وجل فإنه يلزمه لا محالة نفي الاختيار المستلزم لقدم ذات غير الله تعالى، وهذا هو عين ما يقول به ابن تيمية كما سنوضحه في ما ننقله عنه فيما يأتي، فإنه يقول: إن الله تعالى يجب وصفه بجميع الكمالات، فكل ما كان كمالًا له فلا يجوز نفيه عنه، وكون الله تعالى خالقًا بالفعل لا مجرد قادر على أن يخلق: هو كمال له، أي إن وجود مخلوق لله تعالى هو كمال له تعالى.
إذن: يجب أن تثبت المخلوقات لله تعالى في كل زمان مقدر، أي: منذ الأزل إلى الأبد. هذا هو حاصل قول ابن تيمية كما وضحناه سابقًا.
وهذا القول يلزم عنه لا محالة نفي الاختيار عنه تعالى، أي: نفي أن يفعل ويخلق أو لا يفعل ولا يخلق؛ إذ يجب كونه دائما خالقا عنده، وهذا مستلزم لا محالة لنفي الإرادة والاختيار الواجب إثباته أصلًا لله تعالى.
فهذا المعنى الذي يقول به ابن تيمية مرجح لكونه يعتقد ذاتًا قديمة غير الله تعالى، أو أنه يعتقد بوجوب خلق الله تعالى للمخلوقات، وكل من هذين المعنيين باطل بطلانًا بينًا لاستلزامه قدم المخلوقات.
(2) أي يزداد ترجيح اعتقاد ابن تيمية لما مضى إذا علمنا أيضًا أنه يقصد بقوله هذا معارضة من يقول بأن الله تعالى كان موجودًا ولا يوجد موجود غيره، وأن كل وجود غير الله تعالى له بداية لم يكن قبلها موجودًا، وأن وجود كل ما سوى الله تعالى إنما كان لإرادة الله تعالى لوجوده، وهذا ما يقول به الأشعري وجميع أهل السنة.
إذا قصد ابن تيمية بكلامه أن يعارض هؤلاء، أو يعارض من يقول بهذا القول، فيلزمه مطلقًا أن يقول: إنه لم يمر زمان إلا كان فيه مع الله تعالى موجود غيره، وإن وجود ما سوى الله تعالى لا بداية له من حيث الجملة ، ومن قال بهذا يلزمه بوضوح القول بنفي الاختيار عن الله تعالى.
وأما كون ابن تيمية يقصد بكلامه معارضة من يعتقد بظاهر الحديث الذي أشار إليه المصنف، فدليله ما قاله ابن تيمية في شرح حديث عمران بن الحصين، المطبوع ضمن »مجموعة الرسائل والمسائل« حول هذا الحديث، وسيأتي بيانه الآن إن شاء الله تعالى.
وهذا الحديث المشار إليه هو حديث عمران بن الحصين في السؤال عن بدء الخلق، وقد روي على ثلاثة ألفاظ:
-الأول: »كان الله ولم يكن شيء غيره « ، ورواه البخاري في » صحيحه« )6: 286 برقم 3191 فتح)، وأوله: عن عمران بن الحصين رضي الله عنهما قال:
»دخلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعقلت ناقتي بالباب، فأتاه ناس من بني تميم، فقال: أقبلوا البشرى يا بني تميم، قالوا: قد بشرتنا فأعطنا (مرتين) . ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن، فقال: أقبلوا البشرى يا أهل اليمن إن لم يقبلها بنو تميم، قالوا: قد قبلنا يا رسول الله. قالوا: جئنا نسألك عن هذا الأمر. قال: كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض. فنادى مناد: ذهبت ناقتك يا ابن الحصين. فانطلقت فإذا هي يقطع دونها السراب، فوالله لوددت أني كنت تركتها« .
-الثاني: »كان الله ولم يكن شيء قبله « ، رواه البخاري في » صحيحه « (13: 403 برقم 7418 فتح) ، بمثل الرواية السابقة، إلا أنه جاء فيه: ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان..، وفي رواية أخرى في الصحيح » كان الله قبل كل شيء« .
-الثالث: »كان الله ولا شيء معه « ، قال صاحب » كشف الخفاء« (2: 171) : رواه ابن حبان والحاكم وابن أبي شيبة عن بريدة.
وتروى زيادة عليه: وهو الآن على ما عليه كان، وهي موضوعة ليست في شيء من كتب الحديث كما نبه على ذلك الحافظ ابن حجر في »الفتح « (6: 289) ، وذكر هناك أن ابن تيمية نبه على ذلك أيضًا، مع أن الأمر من الظهور بمكان بحيث لا يعد التنبيه عليه كشفًا لأمر خفي حقًا، وأيًا كان فقد سبقه إلى هذا التنبيه الشيخ محيي الدين ابن العربي الحاتمي في » الفتوحات « كما ذكر صاحب » كشف الخفاء « (2: 171) ، وقال ابن حجر هناك: وأما لفظ: » ولا شيء معه « فرواية الباب بلفظ: » ولا شيء غيره« بمعناها.
وقد توسع الحافظ السيوطي في عزو ألفاظ هذا الحديث في كتابه »الدر المنثور« (3: 321-322) ، فأنظره إن شئت.
أقول: فهذا مجمل روايات الحديث الذي ناقشه ابن تيمية وحاول جهده أن يخرجه عن ظاهره الذي ينص على وجود بداية للمخلوقات، وحاول أن يدلل على أن هذا الحديث لا يدل على هذا المعنى، بل غاية ما يدل عليه الحديث عنده هو أن لهذا العالم المشاهد الذي نعيش فيه بداية، وهذا لا يعني أنه لم يكن قبل هذا العالم مخلوق آخر أو عالم آخر. ولا يدل هذا الحديث مطلقًا -في نظرة- على أن جنس جميع المخلوقات بما فيها العرش والكرسي وهذا العالم مخلوقون لهم بداية لم يكونوا قبلها موجودين.
وأول الخطوات التي اتبعها ابن تيمية للوصول إلى هذا الهدف هو أن قال:
1 -بما أنه ورد الحديث على عدة روايات: (قبله، غيره، معه) .
2 -ولما كانت: »قبله « وردت في حديث آخر، وهو دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - » أنت الأول فليس قبلك شيء« .
3 -ولما كان المجلس واحدًا:
يستنتج ابن تيمية من هذا كله: وجوب رد جميع الألفاظ إلا لفظة: »قبله« ! .
وإنما فعل ابن تيمية هذا، وسار في هذا الطريق الذي هو في الحقيقة تحريف لمعنى الحديث وتجاوز لطرق الجمع والترجيح: لأن لفظة »قبله« ليست صرحية في نفي تسلسل الحوادث، أعني: في القدم.
مع أننا نقول: إن سياق الحديث حتى باعتماد لفظه »قبله « يفيد نفي تسلسل الحوادث، أعني: في القدم. وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى هذا الفعل العجيب من ابن تيمية، فقال في كتابه » فتح الباري« (13: 410) :
»قوله: (كان الله ولم يكن شيء قبله) تقدم في بدء الخلق بلفظ: »ولم يكن شيء غيره « ، وفي رواية أبي معاوية: » كان الله قبل كل شيء « ، وهو بمعنى: » كان الله ولا شيء معه« ، وهي أصرح في الرد على من أثبت حوادث لا أول لها من رواية الباب، وهي من مستشنع المسائل المنسوبة لابن تيمية، ووقفت في كلام له على هذا الحديث يرجح الرواية التي في هذا الباب على غيرها، مع أن قضية الجمع بين الروايتين تقتضي حمل هذه على التي في بدء الخلق لا العكس، والجمع يقدم على الترجيح بالاتفاق« . انتهى.
وأشار الحافظ ابن حجر بكلامه هذا إلى رسالة ابن تيمية في شرح حديث عمران بن الحصين التي سبق ذكرها، وهو -أعني ابن تيمية- يكثر فيها من المغالطات جدًا، وقد علقت على معظم كلامه هذا في رسالة خاصة، ورددت فيها مخالفاته وتهويلاته، وعلى كل حال فإن كلام الحافظ ابن حجر هنا كاف عند المنصفين في رد كلام ابن تيمية الذي قاله في شرح هذا الحديث.
هذا، وقد أشرنا في بداية هذه التعليقة إلى أن ابن تيمية أراد بكلامه في هذه المسألة الرد على من أثبت بداية للمخلوقات وانقطاع جنس الحوادث في القدم، ليكون هذا دليلًا آخر على أنه لا يثبت أولية لهذه المخلوقات في الماضي، والدليل على هذا ما قاله ابن تيمية في كلامه على حديث عمران بن حصين المشار إليه آنفًا - (2: 350) من » مجموعة الرسائل والمسائل« - ، وهذا نصه:
» والناس في الحديث على قولين: منهم من قال: إن مقصود الحديث إخباره بأن الله تعالى كان موجودًا وحده، ثم إنه ابتدأ إحداث جميع الحوادث،وإخباره بأن الحوادث لها ابتداء بجنسها، وأعيانها مسبوقة بالعدم« . ثم قال:
»والقول الثاني في معنى الحديث: أنه ليس مراد الرسول هذا، بل إن الحديث يناقض هذا، ولكن مراده إخباره عن خلق هذا العالم المشاهد الذي خلقه الله في ستة أيام ثم استوى على العرش، كما أخبر القرآن العظيم بذلك في غير موضع« .
وقال في ص 353 إنه: »ليس في هذا الحديث تعرض لابتداء الحوادث ولا لأول مخلوق« .
ويقول في ص 355 بأن هذا الحديث: »لم يكن فيه تعرض لوجوده تعالى قبل جميع الحوادث« .
وفي ص 356 قال: »النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقصد الإخبار بوجود الله وحده قبل كل شيء وبابتداء المخلوقات بعد ذلك« .
وفي ص 356 قال عن الفريق القائلين بالقول الأول: » سمعوا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: »كان ولا شيء معه« فظنوه لفظًا ثابتًا مع تجرده عن سائر الكلام الصادر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وظنوا معناه الإخبار بتقدمه تعالى على كل شيء« .
وتوجد نصوص عديدة غير هذه تدل على ما نقول.
ثم أعلم أن جميع كلام ابن تيمية على هذا الحديث لا يتعدى الرد على من يقول بوجود بداية للمخلوقات وبانقطاع سلسلة الحوادث في القدم.
وما دام ابن تيمية قد وضع نفسه في مقابل الذين يقولون بوجود بداية لسلسلة المخلوقات ، فمن الواضح إذن أنه يعد نفسه من الذين يقولون بعدم وجود بداية لها.