فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 57

لا أعرف قائلها لأعامله بما يليق به من الآداب (1) ، فلح عليَّ وأقسم، فأجبتُ بما يليقُ بمقام هذا الخطيب تحلة القسم، وقلت متجنبًا للفحش:

أما هذا الرجل التيمي فجوابه من وجهين:

-أما إجمالًا: فأن أقول: سلامًا (2) .

-وأما تفصيلًا:

فقوله: »ولا يلزم من كونه فاعلًا بالاختيار قدم العالم« جوابًا عن المدعى: دليل على أنه

لا يعي ما يسمع، ولا يفهم ما يقول، فإن المدعى ليس أن الفعل بالاختيار يستلزم القدم، فإن هذا لا يخطر ببال أحد لا مسلم ولا كافر.

وإنما المدعى: أنه يلزم من قدم المفعول نفي الاختيار والكفر، لأن القصد إلى إيجاد الموجود الدائم الوجود محال (3)

(1) إن مما يجب على المناظر أن يتحلى بآداب المناظرة، ومن آدابها أنه إذا علم أن من يطلب مناظرته إنما هو عامي جاهل أن يتجنب مناظرته ويرشده كما يليق بحاله. وإن كان هذا الطالب للمناظرة عالمًا: فإن كان معاندًا فله طريقة خاصة، وهي الإعراض عنه، أما العالم المتصف فله آداب ذكرها علماء الإسلام في علم البحث والمناظرة، والتصانيف فيه كثيرة.

(2) يشير إلى قوله تبارك وتعالى في الآية 63 من سورة الفرقان: { وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا } ، وأراد بذلك أن يبين أن من خاطبه جاهل فالأصل الإعراض عنه وترك الكلام معه، ولكن إن اقتضت الضرورة بيان أخطائه وإظهارها أمام الناس كي لا ينخدعوا بها فعل .

(3) حاصل هذه الفقرة أن العلامة الإخميمي قد قرر في رده على ابن تيمية أن من قال بقدم شيء غير الله تعالى، فإنه يلزمه أن الله تعالى غير مريد ولا مختار لخلق هذا القديم، وذلك لأن معنى كونه قديمًا أنه دائمًا موجود، أي: أنه موجود منذ الأزل، وما كان موجودًا دائمًا، لا يمكن أن تتوجه إليه إرادة الله تعالى بإيجاده لأنه موجود أصلًا، فتحصيل الحاصل محال.

وإذا قال إنسان بقدم شيء فإنه يلزمه على ذلك نفي اختيار الله تعالى لوجود هذا الشيء، وهذا لازم قطعًا، ولزومه بين واضح لا يحتاج إلى دليل.

وقد ثبت أن ابن تيمية يقول بقدم جنس العالم، فيقال له: جنس العالم معنى كونه قديمًا: أنه لم يزل موجودًا، ويلزمه استحالة تعلق الإرادة والاختيار به، أي: يستحيل أن يختاره الله تعالى فيوجده، لأنه موجود أصلًا وعليه يلزم نفي الاختيار.

هذا هو حاصل إلزام الإخميمي لابن تيمية، وهو صحيح، وسنشير فيما يأتي إلى بعض ما قد يرد عليه من الأسئلة وأجوبتها.

ولكن المدافع عن ابن تيمية اتهم العلامة الإخميمي بأنه قال: إنه يلزم من كون الله تعالى مختارًا قدم العالم! وهذه تهمة يضحك لها الأطفال، ولذلك رد عليه الإخميمي بأن وضح له أنه إنما قال: إن القول بقدم العالم بالنوع يلزم عليه نفي الاختيار، ولم يقل: إن الاختيار يلزم عليه قدم العالم! وشتان ما بين القضيتين. والحق أنه من قال بقدم شيء من العالم فقد لزمه نفي الاختيار قطعًا، ولكن فيما يتعلق بقول ابن تيمية قد يقول قائل: إنه إنما قال بقدم النوع، أي: بتتابع المخلوقات منذ الأزل، مع تسليمه حدوث كل مخلوق على حدة، وبالقول بحدوث كل فرد من أفراد هذا النوع يلزم القول باختيار الله تعالى لخلق هذا الحادث، وتعلق إرادته به، فكيف تلزمونه بالقول بنفي الاختيار؟! والجواب:

سلمنا أنه يقول بحدوث كل فرد من أفراد العالم، وأنه يقول بحدوث كل فرد من أفراد سلسلة النوع اللامتناهي على زعمه.

فيقال له: الكلام إذن على مجموع سلسلة النوع، فهل تقول إنها حادثة أم تقول إنها غير حادثة؟ وبعبارة أخرى: سلسلة الخلق والمخلوقات هذه هل لها بداية أو ليست لها بداية؟ إذا قلت: لها بداية فقد انقطعت وثبت حدوث النوع، والفرض عندك أنه قديم فلماذا تقول بقدمه؟! ، وإذا قلت: إنها غير حادثة، فيلزمك القول بأنها قديمة، وما كان قديمًا لا يكون حادثًا، وما لا يكون حادثًا لا تتعلق به الإرادة والاختيار، فيلزم نفي اختيار الله تعالى لوجود العالم.

فإن قيل: النوع إنما هو أمر ذهني ، فلا يلزم قدم شيء خارجي، وهو المحذور فالجواب: سلمنا أن النوع أمر ذهني، لكن لم تقول: إنه صادق على العالم؟ ، ومعنى صدقه عليه: تحققه في الخارج، فيعود الكلام.

وسيأتي مزيد تحقيق لهذا المبحث إن شاء الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت