فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 57

، وكان ذلك رحمة من الله عز وجل، وتصديقًا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: »لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق« (1) .

ووجه الرحمة في ذلك: أن لا يقع فيه الغر الكريم، فيدخل في مذهب الدهرية اللئيم، ويعسر خلاصه منه (2)

(1) رواه البخاري (7311) ، ومسلم ( 1920) ، واللفظ له، وتتمه الرواية: »لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك«. وللحديث ألفاظ أخرى متقاربة في المعنى، منثورة في كتب الحديث.

وتدل جميع هذه الروايات على أن الحق يستحيل أن يخطئه جميع أفراد هذه الأمة، وأنه إن أضله بعضهم فإن البعض الآخر يدركه، وعلى من يدرك الحق تنبيه وإرشاد الضاليين عن الحق. ويلزم من ذلك أنه إذا اجتمع علماء الأمة أو الأمة كلها على أمر، فيستحيل أن يكون هذا الأمر باطلًا في ذاته، ويجب أن يكون هو الحق، وهذا هو أصل الإجماع.

وفي الجملة فإن الأخبار الواردة في عدم اجتماع أمة النبي - صلى الله عليه وسلم - على ضلالة أو خطأ: في حكم المتواترة معنى، ومجموع هذه النصوص من أقوى الأدلة على حجية الإجماع.

(2) معنى الرحمة على ما ذكره العلامة الراغب الأصفهاني في « مفردات ألفاظ القرآن » : رقة تقتضي الإحسان إلى المرحوم، وقد تستعمل تارة في الرقة المجردة وتارة في الإحسان المجردة عن الرقة نحو: رحم الله فلانًا. وإذا وصف به الباري فليس يراد به إلا الإحسان المجرد دون الرقة. وعلى هذا روي أن الرحمة من الله: إنعام وإفضال، ومن الآدميين: رقة وتعطف . انتهى.

وعلى هذا فمعنى كلام المصنف رحمه الله تعالى: أن الله تعالى وفقه إلى إظهار هذه الرحمة، وهي تأليفه هذا الكتاب على يديه. وكان هذا الكتاب رحمة لأن فيه دلالة إلى المذهب الصحيح في أصول الدين، وتنبيهًا على أخطاء من تكلم في هذه المباحث، ومجرد هذه الدلالة نعمة لا شك في ذلك.

وبهذا الكلام يظهر مدى خوف المصنف رحمه الله تعالى ورقته وعطفه على عامة الناس، الأمر الذي دفعه إلى كتابة هذا الكتاب، لأنه علم أن من اعتقد بهذه العقيدة بأنه لا محالة منجرف مع مذاهب الدهرية، سواء علم ذلك أم لم يعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت