فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 57

.من الأفعال والمفاعيل، الذي لا ينفك عن قدم فرد من المفاعيل كما لا تنفك الأربعة عن الزوجية والثلاثة عن الفردية والشمس عن شعاعها (1)

(1) ذكر العلامة الإخميمي هنا أن اعتقاد الشيخ ابن تيمية بقدم نوع الحوادث يلزم عنه لزومًا ذاتيًا القول بقدم شيء من الموجودات، وهذا هو ما أراده من قوله: »إن قوله هذا لا ينفك عن قدم فرد من المفاعيل كما لا تنفك الأربعة عن الزوجية والثلاثة عن الفردية« إذ معلوم في علم المنطق أن اتصاف الأربعة بالزوجية والثلاثة بالفردية لا ينفك عنهما، لأنه صفة لازمة للماهية لا تنفك عنها، فإن الصفات اللازمة للماهية على ضربين:

أحدها: أن يكون ذلك اللازم بغير واسطة، بل تكون تلك الماهية مقتضية لذلك اللازم بنفسها اقتضاءًا أوليًا.

والثاني: أن يكون ذلك اللزوم بواسطة أمر آخر.

مثال اللازم بغير وسط: الفردية للثلاثة، ومثال اللازم بوسط: مساواة الزوايا الثلاث من المثلث لقائمتين.

وكل لازم بغير وسط فهو بين اللزوم للملزوم، أي: متى تصورنا ذلك الملزوم وجب أن يتبعه تصور ذلك اللازم. راجع في ذلك مثلًا »شرح التهذيب « للخبيصي ص 188 بحواشيه، و » شرح الآيات البينات« لابن أبي الحديد ص 111، وغيرها من كتب المنطق.

وبناءً على ذلك، فإن المؤلف العلامة الإخميمي يقصد أن قول ابن تيمية بقدم نوع المفاعيل لا ينفك عن قدم فرد منها، وأن هذا اللزوم لزوم بين لا يرتاب فيه إنسان كما لا يرتاب في أن الثلاثة متصفة بالفردية.

والحق أن قول ابن تيمية ليس كذلك تمامًا إلا إذا قمنا بتوضيحه زيادة على ما ذكره المؤلف هنا وإن كان سيشير إليه لاحقًا، فإن القول بالقدم النوعي للمفاعيل يمكن أن يفهم على الصورتين التاليتين:

-الصورة الأولى للقدم النوعي:

أن الله تعالى منذ الأزل يخلق مفعولًا ويعدمه، ثم يوجد مفعولًا هو غير المفعول الأول مادة وصورة، أو مادة فقط. وأن هذا الأمر أي: خلق الله تعالى وإيجاده للمفعولات ليس له بداية في القدم، فمهما قلنا إن الله خلق حادثًا وأوجد مفعولًا: فيمكن أن نقول إنه تعالى أوجد مفعولًا آخر قبله، وخلق حادثًا غيره قبله، ولا يتوقف هذا القول.

كل هذا مع القول بأن الله تعالى خالق لكل هذه المفاعيل بإرادته المحضة ومعه عدم إيجاب ذلك عليه تعالى لا تصريحًا ولا ضمنًا.

هذه هي الصورة الأولى، وهي وإن كانت غير جائزة عقلًا: لوجوب وجود موجود حادث أول فعلًا، ولكون الشرع أخبر بأن الله تعالى خلق بغير تخصيص، ولكون النبي عليه الصلاة والسلام صرح في الحديث أن الله تعالى كان ولم يكن شيء غيره ولغير هذه من الأدلة العديدة، التي ليس هذا مجال تفصيلها: فإننا نرفض قبول هذه الحالة على أنها هي الحالة الواقعة فعلًا. ولكنا هنا أحببنا أن ننبه إلى أن بعضًا من المخالفين يعدها تفسيرًا للتسلسل النوعي.

أقول: بناءًا على هذا التوضيح للقدم النوعي، فإن لزوم قدم أحد المفاعيل لا يكون بينًا ولا واضحًا.

-أما الصورة الأخرى للقدم النوعي فهي كما يلي:

إذا قيل: إنه ما من مفعول إلا وقبله مفعول، وإن كل مفعول موجود بإرادة الله تعالى، وإن إيجاد هذه المفاعيل هي كمال لله تعالى، لأن كونه خالقًا بالفعل أكمل من كونه غير خالق بالفعل.

هذا القول إلى هذا الحد وإن كان لا يلزم عليه القول بقدم أحد هذه المفاعيل: إلا أنه يلزم عليه القول بوجوب أن يخلق الله تعالى كل هذه المفاعيل، وهذا الوجوب ليس لمجرد علمه تعالى بأنه سوف يخلقها، بل لأن كونه خالقًا لها كمال له من حيث ذاته وصفاته أو أحدهما. ومعلوم أن كل ما كان كمالًا لله تعالى فهو واجب، فيلزم أن الله تعالى يجب عليه أن يكون خالقًا لهذه المفاعيل.

نقول: إلى هذا الحد لا يلزم القول بقدم أحد هذه المفاعيل وإن لزم القول بوجوب فعل ما على الله تعالى، وهو قبيح جدًا، بل هو ينافي القول المفترض بأن الله تعالى يخلق ذلك بإرادته، أي: إنه تعالى يخلق كل واحد من هذه المفاعيل بإرادته المحضة، لأن القول بالإرادة المحضة في الخلق ينافيه القول بوجوب إيجاد هذه المفاعيل، لكون هذا الإيجاد أكمل للذات الإلهية من عدمه .

فهذا القول إلى هذا الحد فوق كونه يلزم عنه القول بوجوب أن يخلق الله تعالى الخلق: فهو فوق ذلك متناقض.

أقول: إلى هذا الحد لا يظهر كيف يلزم من القول بقدم النوع قدم أحد المفاعيل، ولكن إذا زاد القائل المقدمة التالية إلى مجموع قوله السابق ظهر ذلك، وهي:

»إننا لم نشاهد حدوث شيء إلا من شيء، وإن الله لم يخبرنا بأنه خلق شيئًا إلا من شيء، فهو أخبرنا أنه خلق كل واحد من أمه وأبيه، وخلق حواء من آدم، وخلق آدم من صلصال كالفخار، وخلق السموات والأرض من الماء، وهكذا، فلم يقل لنا إنه تعالى خلق شيئًا من لا شيء« .

إذا أضاف هذا القائل إلى مجموع قوله السابق هذه المقدمة: ألا يصبح من البين أن قوله يلزم عنه القول بقدم شيء من المفاعيل هو أصل هذه المخلوقات كلها سواء كان الماء أو غيره؟ . بلى، إن القائل بمجموع هذا المذهب يلزمه لزومًا بينًا القول بقدم شيء من المفاعيل، وهو إن صرح بعد ذلك بأن كل ذلك مخلوق بإرادة الله تعالى فإن قوله هذا مع تصريحه ذاك يعد عبثًا محضًا، وتناقضًا غير مقبول.

فيكون الحاصل من هذا المذهب الأخير بصورتيه المذكورتين شنائع منها:

الأولى: القول بالتسلسل في المخلوقات المنافي لوجود مخلوق هو أول المخلوقات وإن لم نعلمه على التعيين ما هو، هل هو العرش أو الماء أو القلم أو غير ذلك، مع أننا نقطع بوجود مخلوق هو الأول.

الثانية: القول باستكمال الله تعالى بمفعول من مفعولاته، ومعلوم أن مفعولاته - أي مخلوقاته - هي غيره اتفاقًا بين جميع العقلاء، فيستلزم ذلك القول بأن الله يستكمل ذاته من غيره.

الثالثة: القول بوجوب الخلق المتتابع على الله تعالى، وهذا يعارض كونه مريدًا، فيلزم كونه مجبرًا.

الرابعة: التناقضات بين هذه القضايا.

وبناءًا على هذا التوضيح يتبين ما هو المراد من قول العلامة الإخميمي هنا بأن قول ابن تيمية بقدم العالم مستلزم لقدم أحد المفاعيل.

وهذا الشرح لحقيقة قول ابن تيمية لا أظنك تجده في كتاب آخر. ونحن نعتقد أن ابن تيمية قائل بهذا القول الشنيع مصرح به في كتبه وإن كان لا يذكره بمثل هذه الصراحة والوضوح، ولكن معلوم أنه لا يستطيع أحد من المسلمين التصريح بمثل هذه الشناعات، حتى وإن كان يعتقد أنها الحق.

وقد عرفنا حقيقة مقالة ابن تيمية هذه من تتبعنا واستقرائنا لكتبه وكلامه.

ونحمد الله تعالى أن العلامة الإخميمي قد أشار إلى هذا المعنى بل صرح به كما سيأتي في هذه الرسالة بعد قليل ، وهناك سوف نورد من نصوص ابن تيمية ما يفهم منه العاقل غير المكابر ما ذكرناه هنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت