ولما كان الشيخ الإمام العلامة تقي الدين المعروف بابن تيمية قد دخل عليه اعتقاد قدم نوع الحوادث (1)
(1) وأما قول الشيخ: إن ابن تيمية دخل عليه اعتقاد قدم نوع الحوادث ، فهذا صحيح، يعرفه من قرأ كتب ابن تيمية، وسنشير الآن إلى بعض المواضع التي يثبت هو فيها ذلك صراحة،والعجيب أنه ينص على أنه هذا هو اعتقاد أهل السنة من الصحابة والتابعين! ومن هذه المواضع:
1 -قوله في »شرح حديث عمران بن حصين « المطبوع في » مجموعة الرسائل والمسائل« ص 371:
»وإذا قيل: لم يزل يخلق ، كان معناه: لم يزل يخلق مخلوقًا بعد مخلوق، كما لا يزال في الأبد يخلق مخلوقًا بعد مخلوق، ننفي ما ننفيه من الحوادث والحركات شيئًا بعد شيء، وليس في ذلك وصفة بدوام الفعل ولا بأن معه مفعولًا من المفعولات بعينه. وإن قدر أن نوعها لم يزل معه، فهذه المعية لم ينفها شرع ولا عقل، بل هي من كماله، قال الله تعالى: { أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ } ، والخلق لا يزالون معه..« انتهى.
فهذا الكلام صريح غاية الصراحة في قول ابن تيمية بتسلسل الحوادث في القدم، وبأن الخلق قديم بالنوع، وأنه لم يزل مع الله شيء من المخلوقات لا بأعيانها وإنما بنوعها، وأن بعض كمالات الله مستمد من وجود تلك المخلوقات معه.
2 -وفي رده على »أساس التقديس« يتكلم ابن تيمية على لسان خصم وهمي للإمام الرازي - وليس هذا الخصم في الحقيقة إلا ابن تيمية - فيقول هناك (1: 599) :
»قولك: الحركة حادثة. قلت: حادثة النوع أو الشخص؟ الأول: ممنوع، والثاني: مسلم« .
أقول: فهذا فيه القول بقدم نوع الحركات، بل هو لا يسلم فيه إلا حدوث شخص الحركات، أي: كل حركة على حدة أما كل الحركات - أي نوعها -: فلا يسلم بحدوثه.
3 -وقال في »درء التعارض« (1: 240) :
»ولفظ التسلسل يراد به: التسلسل في العلل والفاعلين والمؤثرات، بأن يكون للفاعل فاعل، وللفاعل فاعل، إلى ما لا نهاية له ، وهذا متفق على امتناعه بين العقلاء، والثاني: التسلسل في الآثار، بأن يكون الحادث الثاني موقوفًا على حادث قبله، وذلك الحادث موقوف على حادث قبل ذلك، وهلم جرا، فهذا في جوازه قولان مشهوران للعقلاء، وأئمة السنة والحديث مع كثير من النظار من أهل الكلام والفلاسفة يجوزون ذلك، وكثير من النظار وغيرهم يحيلون ذلك« انتهى كلامه.
أقول: وفي هذه الفقرة يصرح ابن تيمية بأن التسلسل في الآثار - أي في المفاعيل - هو قول أئمة السنة! وهو القول الذي يعتقد هو به بلا شك، وإلا لخالف أهل السنة على زعمه، وقد كرر هذا المعنى في أكثر من موضع في كتابه هذا وفي غيره من الكتب.
4 -وقال كذلك في »درء التعارض« (1: 276) :
»فإذا قال قائل: »لو حدث سبب يوجب ترجيح جنس الفعل للزم هذا التسلسل« فهو صادق. ولكن هذا يفيد أنه لا يحدث مرجح يوجب ترجيح الفعل، بل لا يزال جنس الفعل موجودًا، فهذا يسلمه لهم أئمة المسلمين، لكن ليس في هذا ما يقتضي صحة قولهم بقدم شيء من العالم، بل هذا يقتضي حدوث كل ما سوى الله، فإنه إذا كان جنس الفعل لم يزل لزم أنه لا تزال المفعولات تحدث شيئًا بعد شيء، وكل مفعول محدث مسبوق بعدم نفسه .. الخ« .
أقول: وهذا تصريح آخر بتسلسل المخلوقات والمفاعيل في القدم، وأنه قبل كل مخلوق ومفعول مخلوق ومفعول آخر، وهكذا لا إلى نهاية.
5 -وقال في »درء التعارض« (1: 375) :
»لكن الاستدلال بمثل هذا مبني على أن الفعل ليس هو المفعول، والخلق ليس هو المخلوق، وهو قول جمهور الناس على اختلاف أصنافهم ، وقد قرر هذا في غير هذا الموضع. ثم هؤلاء على قولين: فمنهم من يقول: إن الفعل قديم لازم للذات لا يتعلق بمشيئته وقدرته، ومنهم من يقول: يتعلق بمشيئته وقدرته، وإن قيل إن نوعه قديم فهؤلاء يحتجون بما هو الظاهر المفهوم من النصوص« .
أقول: وهذا تصريح آخر منه بأن نوع الفعل قديم، وأنه ملازم للذات الإلهية منذ الأزل إلى الأبد.
6 -وقال في »شرح حديث النزول« ص 158:
»وأما المقدمة الثانية: وهو منع دوام نوع الحادث، فهذه يمنعها أئمة السنة والحديث القائلين بأن الله تعالى يتكلم بمشيئته وقدرته وأن كلماته لا نهاية لها، والقائلين بأنه لم يزل فعالًا كما يقوله البخاري وغيره، والذين يقولون: الحركة من لوازم الحياة، فيمتنع وجود الحياة بلا حركة أصلًا كما يقوله الدارمي وغيره« .
أقول: من المعلوم أن ابن تيمية يتخذ اسم أهل الحديث علامة على أهل الحق، ولذا فكل ما ينسبه إليهم خصوصًا إذا لم يعارضه فهو يقول به أيضًا، وهو هاهنا ينسب إليهم القول بدوام نوع الحادث، أي: القول بالتسلسل في القدم، وأيضًا القول بالحركة وأنها لازم ضروري للحياة، وهذا يعني أنه يقول بها.
ونحن هنا لا نريد أن نكثر من ذكر النصوص في الدلالة على أن ابن تيمية يقول بقدم نوع الحوادث، خصوصًا أن ما ذكرناه صريح غاية الصراحة في ذلك، ولا يمكن إنكاره بحال، وهو كذلك كاف في تدعيم قول العلامة الإخميمي بأن ابن تيمية قد دخل عليه القول بقدم نوع الحوادث من الأفعال والمفاعيل.