في العلم والعمل« على يد عبده الفقير إلى رحمة الله أبي الأزهر هارون، وهو عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن عبد الولي الإخميمي، بعد أن صار الناس حثالة كحثالة التمر والشعير (1) ، وكان من شرط الكتاب المذكور التنبيه على مواضع الزلل وكيفية دخوله على أهله.
وكان من جملة الزلل: اعتقاد ذات قديمة غير الله عز وجل، سواء كانت معينة كما يزعمه القائلون بقدم العقول الفعالة ومادة هذه الأفلاك، أو غير معينة كمن يجوز أن يكون قبل هذه المفاعيل المعينة مفاعيل غيرها، وقبل مادة هذه الأفلاك مادة أخرى وأفلاك غيرها (2)
(1) قال في »مختار الصحاح«: (الحثالة) بالضم: ما يسقط من قشر الشعير والأرز والتمر وكل ذي قشارة إذا نقي ، وحثالة الدهن: ثفله. فكأنه الردئ من كل شيء. اهـ. فمقصود المؤلف رحمه الله أن الناس قد صاروا في زمانه رديئي الطباع والأفهام . والشكوى من العامة مما أبتلي به العملاء في أكثر الأعصار.
(2) هذه الفقرة وضعها العلامة الإخميمي كمقدمة لتوضيح رأي ابن تيمية، ونحن سوف نفصل هنا في بيان الأقوال سواء الصادرة عن المتكلمين أو عن الفلاسفة ، وذلك في مسألة قدم العالم وحدوثه. والسبب الذي من أجله سوف نفصل ونوضح مجمل الأقوال والمذاهب في هذه المسألة هو: أن كثيرًا من الخائضين فيها في هذا الزمان لا يفهمونها على ما ينبغي، ولا يتصورونها على ما هي عليه، وخصوصًا المجسمة الذين يدافعون عن ابن تيمية .
فأكثرهم لا يفهمون أصل المسألة، ومن فهم منها شيئًا فهو لا يدري حقيقة قول ابن تيمية، وإن فهمه - وهذا حتى الآن لم أر أحدًا منهم قد وصل إليه - فقد لا يعي ما يلزم على هذا القول من الأحكام الفاسدة، ولذا رأيت أنه من الضروري التمهيد بمقدمة كاشفة عن حقيقة المذاهب في هذه المسألة.
فنبدأ بذكر الاحتمالات من فرض الإله والعالم، أي المواقف المحتملة التي يمكن أن يتمسك بها الناس من هذين الطرفين، ولن نستوعب هنا جميع الاحتمالات، لأنها كثيرة ولكن سنذكر ما نرى أننا سنحتاج إليه في هذه التعليقات، وذلك لضبط أطراف المسألة، فنقول وبالله التوفيق:
الواحد إما أن يثبت وجود الإله أو ينفي وجوده.
فإذا نفي وجود الإله: فإما أن يثبت وجود العالم أو ينفي وجوده في الخارج. فمن نفي وجود العالم مع نفي وجود الإله فهو سفسطائي، وهم درجات، ولا كلام معهم هنا. وأما من أثبت وجود العالم فيلزمه القول بقدم أصل العالم، أو القول بوجوده مع حدوثه، والثاني متهافت باطل، لأنه إثبات لحادث بلا محدث، وهو ترجيح بلا مرجح.
وأما من قال بقدم أصله مع نفي الإله، فإما أن يقول إن حقيقة العالم لا تتغير وإن المتغيرات إنما هي ظواهر وأعراض، وهؤلاء هم الماديون التقليديون الكلاسيكيون، أو يقول: إن حقيقة العالم تتغير منذ الأزل ولن تزال كذلك إلى الأبد والمادة كلها في حركة مستمرة، ولا وجود إلا للمادة وهؤلاء هم الماديون الجدليون، أي: الذين قالوا بوجود الجدل والتناقض في المادة والطبيعة، وهؤلاء هم الماركسيون الماديون، القائلون بالتسلسل في القدم وفي المستقبل، أي في الماضي والمستقبل.
أما من يثبت وجود الإله فلا يخلو إما أن يقول بوجود الكون الذي هو غير الإله، أو يقول بأن الكون من ظواهر الإله ولا وجود للكون في ذاته، فلا تغاير عندهم بين الإله ومخلوقاته، وهذا القسم هم القائلون بوحدة الوجود الإلهية، وهم يقابلون القائلين بوحدة الوجود الطبيعية، وهؤلاء الأخيرون يقولون بأن الإله هو الكون، وأنه ليس شيئًا آخر غير الكون.
فأما من يقول بالتغاير بين الإله والعالم: فمنهم من يقول: إن العالم صادر عن الإله صدور العلة عن المعلول، وهم القائلون بالفيض.
ومن هؤلاء من يقول: إن أصل العالم قديم، ولكن صورته متسلسلة منذ الأزل ولن تزال إلى الأبد، فقال بقدم الأصل وحدوث الصورة.
ومنهم من يقول: إن الأصل والصورة لا يزالان في تعاقب مستمر وتغير كل زمان.
والقسم الثاني ممن يقول بالتغاير بين العالم والإله ينفي أن يكون العالم صادرًا عن الإله صدور المعلول عن العلة، ولكن منهم من يقول: إن للعالم أصلًا واحدًا ثم يغير الإله صورته كل زمان، فالأصل قديم والصور حادثة بعد ذلك بإرادة الله حدوثًا منذ الأزل إلى الأبد.
ومنهم من يقول: إن الإله لم يزل منذ الأزل يخلق بإرادته عالمًا ثم يفنيه ويوجد غيره، وسوف يستمر الوضع على هذا الحال إلى الأبد، وأنه لا يوجد عالم مخلوق هو الأول من المخلوقات، أي لم يكن قبله مخلوق غيره، بل ما من عالم إلا وقبله عالم، أو ما من مخلوق إلا وقبله مخلوق وهكذا إلى ما لا نهاية في جانب الماضي. ويزعمون مع ذلك أنه كله حاصل بإرادة الله تعالى.
وفريق يقول: إن الله تعالى هو القديم وحده، وقد كان ولم يكن موجود غيره ولا قبله، ولا معه، ثم خلق ما شاء من المخلوقات مادتها وصورتها خلق ابتداء من عدم، ومن دون سبق أصل، وبلا جبر على الإله تعالى، وهو يعدم هذا العالم متى شاء ويوجد غيره متى شاء. فللمخلوقات بداية، وإذا شاء الله جعل لها نهاية، ولكنه تعالى أخبرنا أن المكلفين خالدون لا يفنون أبدًا، وهذا كله بإرادته تعالى بلا وجوب عليه. وهذا هو قول المتكلمين وخصوصًا أهل السنة الأشاعرة.
أما قول ابن تيمية فسوف نوضحه ونعينه فيما يلي من التعليقات، وأما الآن فسوف نورد بعضًا من كلام أصحاب هذه المذاهب توضيحًا لها، وتأكيدًا أنها موجودة أو وجدت خلافًا لبعض من ينكر ذلك من القاصرين.
وفيما يلي سوف نورد أمثلة من كلام أصحاب هذه العقائد عن طريق نقل نصوص كافية من كتبهم:
1 -عقيدة الماركسيين الشيوعيين: ورد في كتاب »أصول الفلسفة الماركسية اللينينية« الصادر عن دار التقدم ص 42 قولهم:
»أما الفلسفة المادية فقد توصلت - منذ أقدم العصور - إلى القول في معرض الإجابة على مسألة ماهية العالم: إن الكون ليس مخلوقًا، لا للآلهة ولا للبشر، وإنما وجوده سرمدي أزلي أبدي، ينتقل فقط من حالة إلى أخرى.
الأشياء والظواهر والعمليات تكون وتفسد، ولكن العالم نفسه لا يختفي أبدا.
وإذا كان العالم موجودًا الآن فإنه لن يكف عن الوجود مستقبلًا، مثلما لم يكن زمن لم يكن فيه العالم موجودًا، وإلا تظل عالقة تلك المسائل التي لا جواب عليها: إلى أين انتهى العالم؟ ومن أين أتى؟« . انتهى كلامهم.
أقول: والعاقل المحقق يعلم بالنظر في قولهم هذا بل وفي سائر أقوالهم أنها غير مبنية في أغلبها على نظر عقلي محض، وإنما غالبًا ما يقولون بها توصلًا إلى غايات سياسية. ويحق لنا أن نتعجب من عدهم فلاسفة أو من عد أقوالهم مبنية على نظر عقلي خالص.
2 -مذهب الفيض: وأما الفارابي الفيلسوف المشهور بالقول بالفيض، فإنه يوضح رأيه في هذه المسألة في كتابه »آراء أهل المدينة الفاضلة « فيقول هناك ص 40: » والأول هو الذي عنه وجد، ومتى وجد للأول الوجود الذي هو له، لزم ضرورة أن يوجد عنه سائر الموجودات التي وجودها لا بإرادة الإنسان واختياره، على ما هي عليه من الوجود الذي بعضه مشاهد بالحس وبعضه معلوم بالبرهان.
ووجود ما يوجد عنه إنما هو على جهة فيض وجوده لوجود شيء آخر، وعلى أن وجود غيره فائض عن وجوده هو، فعلى هذه الجهة لا يكون وجود ما يوجد عنه سببًا له بوجه من الوجوه، ولا على أنه غاية لوجود الأول، كما يكون وجود الابن من حيث ما هو ابن غاية لوجود الأبوين من جهة ما هما أبوان..« انتهى.
أقول: على هذه الصورة يعتقد الفارابي بوجود العالم، فالله بذاته علة واجبة الوجود والعالم معلول صادر عن العلة الأولى لا بإرادة، ولم يكن من الممكن أن لا يوجد العالم . فهذا قول بالجبر في وجود العالم ، وهي عقيدة فاسدة غير أنه اعترف -أي الفارابي- في هذا الكتاب أن الوجود الذي يوجد عن الله تعالى لا يفيده كمالًا ما، كما يكون لنا ذلك عن جل الأشياء التي تكون منا.
فهو بقوله هذا أصاب جانبًا من الحقيقة، وهي أن الله تعالى لا يستفيد كمالًا من خلقه للخلق، وهي ملاحظة هامة سوف نرجع ونشير إليها أثناء تعليقاتنا في توضيح مذهب ابن تيمة.
3 -مذهب انكسماندريس: سوف نوضح هنا جانبًا من بعض الآراء لأحد فلاسفة اليونان، وهو الفيلسوف أنكسماندريس، وذلك لأن فلسفته فيها بعض الجهات التي تهمنا نحن في هذا الموضوع، وهو توضيح قول ابن تيمية وقول الأئمة الأشاعرة وغيرهم من المتكلمين.
هذا الفيلسوف هو أحد الفلاسفة الأيونيين، نسبة إلى أيونيا، من ساحل آسيا الصغرى، وهؤلاء الفلاسفة جميعهم ماديون، ولكن هذا الفيلسوف تميز من بينهم برأي ينبغي أن نشير إليه هنا.
يقول هذا الفيلسوف: إن المبدأ الأقصى للكون هو شيء مادي، أي مادة، لا شكل خاص لها، وهي التي تدعى بالأصل، وهي هلامية غير متعينة من ناحية الكيف، وكذلك غير متعينة من ناحية الكم، وهو يقول: إن هذه المادة تمتد إلى المالانهاية في المكان. ويقول كذلك: إن هذه المادة سبب في وجود عوالم متعددة لا نهائية، وهو يؤمن - كما هو شائع عنه - أن هذه العوالم تتابع في الزمان، وأنه قد خلق في البداية عالم وتطور وانهار ثم ولد عالم آخر وتطور وانهار، وأن هذه الدورة المنتظمة للعوالم تستمر إلى الأبد.
هكذا عرض وولتر ستيس فكرة أنكسماندرس في العوالم المتعددة في كتابه » تاريخ الفلسفة اليونانية « ص33، وكذلك نص عليه عبد الرحمن بدوي في كتابه » ربيع الفكر اليوناني« ص 100.
وأشار بدوي في كتابه المذكور إلى أن أنكسماندريس قال لأول مرة بعوالم لا نهاية لها توجد وتفنى، وهذا القول كان المقدمة لقول أرسطو فيها بعد: إن حركة العالم أزلية أبدية.
ولاحظ أيها القارئ أنه - كما في عرض وولتر ستيس لقول هذا الفيلسوف - مع قوله بأزلية هذا الأصل المادي الذي يقول به، إلا أنه يقول بوجود عالم أول تكون من هذا الأصل ، ثم صارت العوالم بعد ذلك تتوالى. وهذا ظاهرة عدم القول بالتسلسل في القدم، وهو الأمر الذي يقول ابن تيمية بخلافه كما سنلاحظه فيما بعد.
إلا أن الأمر الذي يشترك فيه مع ابن تيمية هو القول بتتابع العوالم واحدًا بعد الآخر، مع افتراق ابن تيمية عنه بقوله بوجود الله وأنه هو الذي تصدر عنه هذه العوالم لذاته منذ الأزل.
4 -مذهب أرسطو: وسوف نوضح الآن موقف أرسطو الفيلسوف المشهور من هذه المسألة، فإن جانبًا من رأيه يهمنا هنا.
لقد صرح برتراند رسل في »حكمة الغرب« (1: 177) أن الله في نظر أرسطو عبارة عن المحرك غير المتحرك الذي يعطي للعالم الدفعة المحركة الأولى، وبعد أن يقوم بهذا العمل لا يعود لديه اهتمام إيجابي بالعالم. هكذا وصف رسل فكرة أرسطو عن الله.
والحقيقة أن فكرة أرسطو أعقد من هذا العرض الساذج، وقد أشار إلي طرف منها ول ديورانت في »قصة الفلسفة« ص 113، فقال بأن أرسطو يعتقد أن المادة الأصلية للعالم قديمة، وليست مخلوقة لله، ولكن الله هو الذي أوجد الحركة الأولى في المادة، وهي التي كانت السبب في توالي الصور على المادة منذ الأزل، فقال: إن الله لا يخلق العالم، ولكن يحركه، إن الله يحرك العالم كما يحرك المحبوب المحب، إنه السبب النهائي للطبيعة، والقوة الدافعة للأشياء وهدفها، إنه صورة العالم ومبدأ حياته . انتهى بتصرف.
وهذا قريب مما ذكره وولتر ستيس في »تاريخ الفلسفة اليونانية « ص 235 حيث قال: » العلة الفاعلة الحقيقية هي العلة الغائية، والله لا يكون هو المحرك الأول إلا في صفته كغاية نهائية. وبالنسبة للزمن فلا الكون ولا الحركة فيه لهما أية بداية، وكل علة ميكانيكية لها علتها بدورها وإلى ما لا نهاية. والله ليس علة أولى بالمعنى الخاص بنا، أي: ليس علة آلية أولى تكون قبل العالم وتخلقه، إنه عله غائية تعمل من الغاية، ولكنه على هذا النحو هو سابق منطقيًا على كل بداية، وكذلك المحرك الأول. ولما كان الكون ليست له بداية في الزمن فإنه ليست له نهاية في الزمن، ويستمر إلى الأبد، وغايته هي الصورة المطلقة، ولكن لا يمكن التوصل إليها، لأن الصورة المطلقة لا توجد لعدم إمكان وجود الصورة إلا مع الهيولي« . انتهى.
ويقصد بالصورة المطلقة: الله، وهو - على ما قال - يقال عنه حقيقة، ولكن لا يقال عنه إنه موجود، فالحاصل أن الله عند أرسطو: فكر، وليس المقصود أنه فكر ذاتي، أي فكر موجود في عقل ما، بل هو فكر موضوعي حقيقي في ذاته.
هكذا وضح هؤلاء الغربيون فكرة أرسطو عن الله وعلاقته بالعالم، وأنا أميل إلى خطأ تصورهم كون الله عند أرسطو عبارة عن فكرة موضوعية ليست موجودة، وربما فسروا مذهبه بذلك لميلهم هم إلى ذلك.
وأنا أميل إلى خطأ تصويرهم هذا لمذهب أرسطو كذلك، لأن جميع الإسلاميين لم يتهم أحد منهم أرسطو بأنه ينفي الوجود الحقيقي الخارجي لله، وعندي أن فلاسفة الإسلام - مع ميلهم أيضًا إلى شرح أرسطو شرحًا يقتربون به إلى الإسلام وما يحكم به الدين، إلا أنهم أوثق من الغربيين في شرح كلامه، وذلك لكمال عقولهم وثقتهم في أنفسهم، خلافًا لأولئك الغربيين.
وسوف ننقل فيما يلي كلام الإمام الشهرستاني في توضيح كيفية صدور العالم عن الله عند أرسطو، فقد قال في »الملل والنحل « - المطبوع على هامش » الفصل« - (2: 50) .
»المسألة الحادية عشرة. في كون الحركات سرمدية وأن الحوادث لم تزل، قال: إن صدور الفعل عن الحق الأول إنما يتأخر لا بزمان بل بحسب الذات. والفعل ليس مسبوقًا بعدم بل هو مسبوق بذات الفاعل، ولكن القدماء لما أرادوا أن يعبروا عن العلية افتقروا إلى ذكر القبلية، والقبلية في اللفظ تتناول الزمان، وكذلك في المعنى عند من لم يتدرب، وأوهمت عباراتهم أن فعل الأول الحق فعل زماني، وأن تقدمه تقدم زماني، وقال: ونحن أثبتنا أن الحركات تحتاج إلى محرك غير متحرك. ثم نقول: الحركات لا تخلو إما أن تكون لم تزل أو تكون قد حدثت بعد أن لم تكن، وقد كان المحرك موجودًا لها بالفعل.. «.
ثم قال: »وإذ لا بد من محرك للحركات ومن حامل للحركات وتبين أن المحرك سرمدي: فالحركات سرمدية، فالمتحركات سرمدية«. انتهى.
أقول: فعرض الشهرستاني لأرسطو في هذه المسألة يوضح أنه قائل بالوجود الأزلي للواجب الوجود، خلافًا لما قرره أولئك الغربيون. وعلى كل حال فقد اتفق الفريقان على أن أرسطو قائل بقدم العالم وحركات العالم، وأنه صادر عن الواجب الوجود صدورًا غير متعلق بالإرادة، بل متعلقًا فقط بنفس ذات الواجب، وهي قديمة، فالعالم قديم بأصله الثابت وهو الهيلوي، متغير تغيرًا سرمديًا أزليًا أبديًا بصورته وحركاته.
5 -مذهب ابن رشد: والرأي الأخير الذي سنشرحه هنا ونبينه هو رأي الفيلسوف ابن رشد (530-595) ، وهو حفيد الفقيه المالكي المشهور أبي الوليد ابن رشد (450-520) ، وسوف نهتم ببيان رأيه لأن له علاقة وطيدة برأي ابن تيمية الذي هو محل كلامنا هنا.
يوضح ابن رشد أولًا مذهب أرسطو كما يقرره أحد المعجبين جدًا بابن رشد وهو الدكتور محمد عاطف العراقي في كتابه »تجديد في المذاهب الفلسفية والكلامية« ص 201 فيقول.
»الفاعل في هذا المذهب - حسب ما يراه ابن رشد مفسرًا - يفعل المركب من المادة والصورة، وذلك بأن يحرك المادة ويغيرها حتى يخرج ما فيها من القوة على الصورة إلى الفعل، وإذا كان هذا المذهب يشبه من وجه من الوجوه مذهب أنبادوقليس الذي يرى أن الفاعل يفعل اجتماعًا وانتظامًا للأشياء المتفرقة، إلا أنه يختلف اختلافًا أساسيًا، فالفاعل عند أرسطو لا يعد جامعًا بين شيئين بالحقيقة، وإنما هو مخرج ما بالقوة إلى الفعل، دون أن يؤدي ذلك إلى إبطال الموضوع القابل للقوة. ويرجح ابن رشد قول أرسطو« .
ثم قال الدكتور العراقي: »وواضح من هذا أن ابن رشد من القائلين بقدم العالم طالما أنه نقد فكرة الاختراع والحوادث عند أسلافه من المتكلمين. وإذا جاز لنا مقارنة آرائه الواردة في »تفسيره على ما بعد الطبيعة« بآرائه في كتبه الأخرى ومنها المؤلفة، أمكننا أن نقول إن العالم عنده في حدوث دائم، ولكن منذ الأزل، كما أنه أبدي« .
وقال الدكتور العراقي أيضًا في كتابه » المنهج النقدي في فلسفة ابن رشد« ص 68-69:
»قد يقال: إن نقد ابن رشد لأدلة المتكلمين على وجود الله، تلك الأدلة التي تستند إلى القول بحدوث العالم، إنما يعني أن متابعة ابن رشد لأرسطو في قوله بقدم العالم هو الذي دفعه إلى هذا النقد، ولكن لا بد لنا من القول بأن تفضيل ابن رشد للقول بقدم العالم لا يعني استغراق ابن رشد في فلسفة أرسطو استغراقًا كاملًا. صحيح أنه تأثر به هذا التأثر الذي ينطق به كل جزء من مذهبه في القدم، وصحيح أنه من القائلين بقدم العالم، وقد تبين لنا ذلك من تأييده لأدلة الفلاسفة على القدم، ومعارضته لأهل الحدوث، وإزالة الشبهات التي نشأت حول أدلة القدم، لكي يتسنى له الانتصار لقضية القدم، إلا أنه لم يقف عند هذا ، بل نكاد نقول إنه تصور عملية إيجاد العالم تصورًا جديدًا داخل نطاق هذا القدم.
نوضح ذلك بالقول بأن ما يميز ابن رشد عمن سبقه ولا سيما ابن سينا هو كيفية تصوره للعالم على أنه عملية تغير وحدوث منذ الأزل، تصورًا لا لبس فيه، وأنه في جملته وحدة أزلية ضرورية لا يجوز عليه العدم ولا يمكن أن يكون على غير ما هو عليه. فلو كان التغير داخل نطاق الكون أزليًا فإنه يستلزم حركة أزلية، وهذه تحتاج إلى محرك أزلي، أما إذا كان العالم حادثًا ، فإنه يتحتم علينا القول بوجود عالم آخر حادث نشأ منه وهكذا إلى غير نهاية، ومن هنا ننتهي إلى أن هناك إحداثًا مستمرًا منذ الأزل، أي أن العالم في حدوث دائم. وبهذا تتم التفرقة بين الله القديم والعالم القديم، على أساس أن قدم العالم يفهم منه أنه عملية حدوث دائم. وعلى ذلك يجب فيما نرى من جانبنا ألا نخدع من ذكر لفظة الحدوث التي يذكرها ابن رشد في معرض دراسته لمشكلة قدم العالم ونقده لأدلة المتكلمين، إذ هذا الحدوث ليس الاختراع من لا شيء، وهو ما يذهب إليه المتكلمون، بل هو حدوث على نحو خاص، إنه حدوث أزلي، أي إن العالم -فيما يرى- يعد قديمًا، وعلى أساس اعترافه بالقدم نقد دليل الحدوث« انتهى.
أقول: وقد صرح ابن رشد في »رسالة ما بعد الطبيعية« أن حركات العالم أزلية، كما في ص 142، حيث قال:
»وأيضًا فأجزاء الأزلي أزلية، لأنه قد تبين أن هذه الحركة الواحدة أعني اليومية أزلية، وإذا كانت هذه الأفلاك التي هي أجزاء للجرم الأعظم أزلية فحركتها ضرورة أزلية، ومحركوها أيضًا بهذه الصفة، أعني أزليين، وهم من جنس محرك الكل« انتهى.
ونحن بهذا العرض نكون قد أنجزنا ما وعدنا به من بيان بعض المذاهب التي قال بها الناس، والتي لها علاقة بكلامنا مع ابن تيمية في عقائده في هذه المسألة.
وأما بيان مذهب ابن تيمية بكلامه وعباراته فسوف تراه قريبًا في تعليقاتنا على هذه الرسالة القيمة، مقارنًا بما يعتقده أهل السنة الأشاعرة.