وربما کان هذا الأساس الثالث أهم من الأساسين السابقين في بحث النشأة اللغوية. وقد وجه المحدثون کل جهودهم لهذه الدراسة التاريخية، ولکنهم بدأوها بطريقة عکسية، أي أنهم بدأوا البحث في لغات العصر الحاضر، ثم عادوا إلي الوراء جيلًا بعد جيل، وقرنًا بعد قرن، مستخدمين معلوماتهم عن حال اللغات في العصور الماضية من النصوص اللغوية والمستندات التاريخية وهم في هذا البحث يعقدون المقارنات ليستنبطوا قوانين أو قواعد عامة للتطور اللغوي.
فمثلًا يقارنون حال الإنجليزية الحديثة محالها في عصر شکسپير ثم عصر تشومر ثم بالألمانية القديمة، ويقارنون اللهجات الهندية الحديثة بالنصوص التي رويت عن اللغة السنسکريتية، ويقارنون اللهجات العربية الحديثة باللهجات القديمة، وهکذا تستمر مقارنتهم خلال العصور التاريخية التي روي عنها نصوص لغوية. فإذا تجمعت لهم عن طريق تلک المقارنة التاريخية قواعد عامة للتطور اللغوي، أمکن تطبيق تلک القواعد علي عصور ماقبل التاريخ، واستنباط الحال التي کانت عليها اللغات في تلک العصور البعيدة التي لا نکاد ندري من أمرها شيئًا. وربما أمکن الباحث عن هذا الطريق الوصول إلي تکوين فکرة واضحة المعالم عن أقدم المراحل في النشأة اللغوية. بل ربما أمکن تبديد السحب التي تکتنف تلک النشأة اللغوية.
وقد استطاع جسبرسن [2] أن يصل إلي نتائج قيمة عن طريق هذا البحث المقارن، وأن يصور لنا ما کانت عليه اللغات في أقدم العصور.
الأصوات:
(1) الاتجاه نحو تيسير الأصوات: هذا هو الميل العام الذي لوحظ في تطور اللغات. فحين قورنت النصوص القديمة بالنصوص الحديثة تبين للباحثين أن التطور الصوتي في اللغات يميل في غالب الأحيان نحو تيسير النطق بها، والاقتصاد في الجهد العضلي أثناء صدورها. وترتب علي هذا الميل العام ظواهر ثلاث: