فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 253

فالطفل حين يتعلم لغة أبويه لايکاد يعدو عمله الربط بين أصوات يسمعها و مدلولات يفهمها، فهو مقلد لا مبتکر أو مخترع، و هو يلتقط ألفاظًا متداولة في بيئته، و قد أعدت کل الإعداد، و هيئت له کل التهيئة علي يد معلم لايمل تعليمه من أهله و ذويه. في حين أن الإنسان الأول لم تتح له نفس الظروف، بل کان بمثابة المخترع يستخرج أمرًا جديدًا، وحدثا جليلا، ويعلم نفسه بنفسه مالم يکن له وجود من قبل. ولعل خير مايوضح لنا الفرق بين الحالين أن نتصور باحثًا في الموسيقي يحاول استنباط مراحل تطورها عن طريق دراسة المراحل التي يمر بها الطفل في تعلمه العزف علي البيانو، دون أن يفطن إلي أن الطفل في تعلمه العزف يري نفسه أمام أنغام معدة مهيأة، و أغان مسموعة مألوفة، فهو يقلد مااخترعه غيره، وماشاع في بيئته.

غير أنه مع هذا يمکن أن يستأنس بمراحل نمو اللغة عند الأطفال في دراسة النشأة اللغوية، إذا اقتصرت دراستنا علي السنة الأولي من عمر الأطفال حين يناغون و يصوتون بأصوات مبهمة لاتهدف إلا إلي اللذة والمتعة. ففي هذه المرحلة قد نسمع من الأطفال أصواتًا غريبة علي اللغة الشائعة في بيئته، وقد ينطق الطفل بسلسلة من الأصوات تشق عليه فيما بعد حين يتعلم لغة أبويه. فقد نسمع من الطفل الإنجليزي أصوات الحلق و ليس في لغة أبويه مثل هذه الأصوات. بل حتي بعد السنة الأولي من عمر الطفل و قبل نهاية السنة الثالثة نري بعض الأطفال يکونون ما يمکن أن يسمي بلغتهم الصغيرة وهي المملوءة بألفاظ مخترعة لاتکاد تمت في أصواتها أو مدلالوتها للغة أبويهم بصلة ما.

تلک هي الأمور التي تستحق الدراسة في مراحل نمو اللغة عند الأطفال ليستأنس بها الباحث في بحثه للنشأة اللغوية، ولتلقي ضوءًا علي ذلک الغموض الذي يکتنف تلک النشأة اللغوية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت