وملخص هذا الرأي أن النطق الإنساني نشأ أولًا في صورة جماعية، فقد صدر عن مجموعة من الناس في أثناء قيامهم بعمل شاق مضنٍ تعاونوا علي أدائه، ويؤکد لنا أصحاب هذه النظرية أن الإنسان يجد الراحة في أثناء قيامه بعمل شاق إذا تنفس أو تنهد بقوة و عنف، و کرر هذا عدة مرات، فهو يصدر من رئتيه قدرًا من الهواء. ويستريح لهذه العملبة العضلية لأنها تخفف من عناء عمله و مشقته و يترتب علي صدور الهواء وانبعاثه إلي خارج الفم أو الأنف أن يمر بالوترين الصوتيين فيحر کهما فتسمع لهما ذبذبات ذات أنغام مختلفة. ويشبه هذا مانسمعه أحيانًا من بعض العمال الآن حين يؤدون عملًا شاقًا مضنيًا. إذ نراهم يغنون أو يرددون عبارات بدائية لاتکاد تتضمن معني معقولًا مفهومًا. وهم بهذه العبارات يلتمسون عونا لأنفسهم في أثناء قيامهم بعملهم الشاق، و يجدون فيها متنفسا و تشجيعًا، فيکررونها ويعيدون تکرارها دون ملل أو سأم
و هکذا يري أصحاب هذا الرأي أن اللغة نشأت حين اجتمع الإنسان بأخيه الإنسان، ولم تنشأ عنه وهو منفرد منعزل. وبهذا يربطون بين نشأة اللغة وتکون المجتمع الإنساني، ويوثقون بين اللغة والمجتمع. ولعل أهم ماتمتاز به هذه النظرية علي النظريات السابقة، أنها عالجت النشأة اللغوية في ضوء المجتمع الإنساني، و ربطت بين اللغة والمجتمع ربطًا وثيقًا، في حين أن کل النظريات الأخري تفترض أن الکلمات الأولي صدرت عن الإنسان المنفرد، ثم قلده غيره في نطقه.
ويري أصحاب هذه النظرية أن تلک الأصوات التي تصدر عن جماعة من الناس في أثناء عملهم المضني لا تلبث أن ترتبط بالعمل نفسه، و تصبح بمثابة علم له، ينطقون بها کلما تکرر هذا العمل في الظروف المختلفة. ومثل هذه العبارات الجماعية هي التي بدأ بها الکلام، وهي التي تعد النواة الأولي في النشأة اللغوية.