ولاستعمالِ هذه الأدواتِ في التَّمنِّي يُنْصَبُ المضارعُ الواقعُ في جوابِها.
وأمَّا النداءُ، فهوَ طَلَبُ الإقبالِ بحرْفٍ نائبٍ مَنَابَ (أَدْعُو) ، وأدواتُه ثمانيةٌ: (يا) ، والهمزةُ، و (أيْ) ، و (آ) ، و (آي) ، و (أيا) ، و (هيا) ، و (وا) .
فالهمزةُ و (أَيْ) للقريبِ، وغيرُهما للبعيدِ.
وقدْ يُنَزَّلُ البعيدُ مَنْزِلةَ القريبِ فَيُنَادى بالهمزةِ و (أيْ) ، إشارةً إلى أنَّهُ لِشِدَّةِ استحضارِه في ذِهْنِ المتكلِّمِ صارَ كالحاضِرِ معهُ، كقولِ الشاعرِ:
أسُكَّانَ نَعْمانَ الْأَرَاكِ تَيَقَّنُوا ... بأنَّكم في رَبْعِ قَلْبيَ سُكَّانُ
وقدْ يُنَزَّلُ القريبُ مَنزلةَ البعيدِ فيُنادى بأحَدِ الحروفِ الموضوعةِ له، إشارةً إلى أنَّ المنادَى عظيمُ الشأنِ، رفيعُ المرْتَبَةِ، حتَّى كأنَّ بُعْدَ درجتِه في العِظَمِ عنْ درجةِ المتكلِّمِ بُعْدٌ في المسافةِ، كقولِك: (أيا مولايَ) ، وأنت معَهُ.
أوْ إشارةً إلى انحطاطِ درجتِه، كقولِك: (أيا هذا) ، لِمَنْ هوَ معكَ.
أوْ إشارةً إلى أنَّ السامعَ غافلٌ لنحْوَ نوْمٍ أوْ ذهولٍ، كأنَّهُ غيرُ حاضرٍ في المجلِسِ، كقولِكَ للساهِي: (أيا فلانُ) .
وقدْ تَخْرُجُ ألفاظُ النداءِ عنْ معناها الأصليِّ لمعانٍ أُخَرَ تُفْهَمُ من القرائنِ:
1 -كالإغراءِ، نحوَ قولِكَ لِمَنْ أقْبَلَ يَتَظَلَّمُ: يا مظلومُ.
2 -والزَّجْرِ، نحوَ:
أَفُؤَادي! مَتَى الْمَتَابُ أَلَمَّا تَصِحُّ والشَّيْبُ فَوْقَ رَأْسِي أَلَمَّا
3 -والتحيُّرِ والتضَجُّرِ، نحوَ: أيا مَنَازِلَ سَلْمى! أينَ سَلْمَاكِ. ويَكْثُرُ هذا في نداءِ الأطْلالِ والْمَطايا ونحوَها.
4 -والتحَسُّرِ والتوجُّعِ، كقولِه:
أيا قَبْرَ مَعْنٍ! كيفَ وَارَيْتَ جُودَهُ وقدْ كانَ منهُ البَرُّ والبحْرُ مُتْرَعَا
5 -والتذَكُّرِ، نحوَ:
أيا مَنْزِلَيْ سَلْمَى! سَلامٌ عليكما هل الأَزْمُنُ اللاتِي مَضَيْنَ رَوَاجِعُ
وغيرُ الطَّلَبيِّ يكونُ بالتعجُّبِ والقَسَمِ وصِيغِ العُقودِ، كـ (بِعْتُ) و (اشتريتُ) ، ويكونُ بغيرِ ذلكَ.
وأنواعُ الإنشاءِ غيرِ الطَّلَبِيِّ ليستْ منْ مَباحثِ عِلْمِ المعانِي؛ فلِذا ضَرَبْنَا صَفْحًا عنها.
البابُ الثاني
في الذِّكْرِ والحذْفِ
إذا أُرِيدَ إفادةُ السامعِ حُكْمًا فأيُّ لفْظٍ يَدُلُّ على مَعْنًى فيهِ فالأصْلُ ذكْرُه، وأيُّ لفْظٍ عُلِمَ من الكلامِ لدَلالةِ باقيهِ عليهِ فالأصلُ حَذْفُه.
وإذا تَعارَضَ هذانِ الأصلانِ فلا يُعْدَلُ عنْ مُقْتَضَى أحدِهما إلى مُقْتَضَى الآخَرِ إلَّا لداعٍ.
فمِنْ دواعي الذِّكْرِ:
1 -زيادةُ التقريرِ والإيضاحِ، نحوَ: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} .
2 -وقَلَّةُ الثقةِ بالقرينةِ؛ لضَعْفِها أوْ ضَعْفِ فَهْمِ السامعِ، نحوَ: (زيدٌ نِعْمَ الصديقُ) ، تَقولُ ذلكَ إذا سَبَقَ لكَ ذِكْرُ زيدٍ وطالَ عَهْدُ السامعِ بهِ، أوْ ذُكِرَ معهُ كلامٌ في شأنِ غيرِه.