فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 34

البابُ الثالثُ

في التقديمِ والتأخيرِ

من المعلومِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ النطْقُ بأجزاءِ الكلامِ دُفعةً واحدةً، بلْ لا بدَّ منْ تقديمِ بعضِ الأجزاءِ وتأخيرِ البعضِ، وليسَ شيءٌ منها في نفسِه أَوْلَى بالتقدُّمِ من الآخَرِ؛ لاشتراكِ جميعِ الألفاظِ من حيثُ هيَ ألفاظٌ في درجةِ الاعتبارِ، فلا بدَّ منْ تقديمِ هذا على ذاك منْ داعٍ يُوجِبُه. فمِنَ الدواعي:

1 -التشويقُ إلى المتأخِّرِ إذا كان المتقدِّمُ مُشعِرًا بغَرابةٍ، نحوَ:

والذي حَارتِ البَرِيَّةُ فيه ... حيوانٌ مستَحْدَثٌ منْ جَماد

2 -وتعجيلُ الْمَسرَّةِ أو المساءةِ، نحوَ: (العفوُ عنكَ صدَرَ بهِ الأمرُ) ، أوْ (القِصاصُ حَكَمَ بهِ القاضي) .

3 -وكونُ المتقدِّمِ مَحَطَّ الإنكارِ والتعجُّبِ، نحوَ: (أَبَعْدَ طولِ التجْرِبةِ تَنخدِعُ بهذه الزَّخارفِ) .

4 -وسلوكُ سبيلِ التَّرَقِّي، أي الإتيانُ بالعامِّ أوَّلًا ثمَّ الخاصِّ بعدَهُ؛ لأنَّ العامَّ إذا ذُكِرَ بعدَ الخاصِّ لا يكونُ لهُ فائدةٌ، نحوَ: هذا الكلامُ صحيحٌ فَصِيحٌ بليغٌ. فإذا قُلْتَ: فصيحٌ بليغٌ، لا تَحتاجُ إلى ذكْرِ صحيحٌ. وإذا قُلْتَ: بليغٌ، لا تَحتاجُ إلى ذكْرِ صحيحٌ ولا فصيحٌ.

5 -ومُراعاةُ الترتيبِ الوُجوديِّ، نحوَ: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} .

6 -والنصُّ على عمومِ السلْبِ، أوْ سلْبِ العمومِ.

فالأوَّلُ يكونُ بتقديمِ أداةِ العمومِ على أداةِ النفيِ، نحوَ: (كلُّ ذلكَ لم يكُنْ) ، أيْ: لم يَقَعْ هذا ولا ذاكَ.

والثاني يكونُ بتقديمِ أداةِ النفيِ على أداةِ العمومِ، نحوَ: (لم يكُنْ كلُّ ذلكَ) ، أيْ: لم يَقَع المجموعُ، فيُحْتَمَلُ ثبوتُ البعضِ، ويُحتمَلُ نفيُ كلِّ فرْدٍ.

7 -وتَقويةُ الحكْمِ إذا كانَ الخبَرُ فِعْلًا، نحوَ: الهلالُ ظَهَرَ. وذلكَ لتَكرارِ الإسنادِ.

8 -والتخصيصُ، نحوَ: (ما أنا قلتُ) ، و {إيَّاكَ نَعبُدُ} .

9 -والمحافظةُ على وَزْنٍ أوْ سَجْعٍ، فالأوَّلُ نحوَ:

إذا نَطَقَ السَّفيهُ فلا تُجِبْهُ ... فخَيْرٌ مِنْ إجابتِهِ السكوتُ

والثاني، نحوَ: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ* ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ* ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ} .

ولَمْ يُذْكَرْ لكلٍّ من التقديمِ والتأخيرِ دواعٍ خاصَّةٌ؛ لأنَّهُ إذا تَقدَّمَ أحَدُ رُكْنَي الجملةِ تَأَخَّرَ الآخرُ، فهما متلازمانِ.

البابُ الرابعُ

في التعريفِ والتنكيرِ

إذا تَعَلَّقَ الغَرَضُ بتفهيمِ المخاطَبِ ارتباطَ الكلامِ بمعَيَّنٍ فالمقامُ للتعريفِ، وإذا لم يَتَعَلَّق الغرَضُ بذلكَ فالمقامُ للتنكيرِ. ولتفصيلِ هذا الإجمالِ نقولُ: من المعلومِ أنَّ المعارِفَ: الضميرُ، والعَلَمُ، واسمُ الإشارةِ، والاسمُ الموصولُ، والْمُحَلَّى بأَلْ، والمضافُ لواحدٍ ممَّا ذُكِرَ، والمنادَى.

(أمَّا الضميرُ) ، فيُؤْتَى بهِ لكونِ المقامِ للتكَلُّمِ أو الْخِطابِ أو الغَيْبةِ معَ الاختصارِ، نحوَ: أنا رَجَوْتُكَ في هذا الأمْرِ، وأنتَ وَعَدْتَني بإنجازِه. والأصْلُ في الْخِطابِ أنْ يكونَ لمشاهَدٍ معَيَّنٍ، وقدْ يُخاطَبُ غيرُ المشاهَدِ إذا كانَ مستَحْضَرًا في القلْبِ، نحوَ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} . وغيرُ المعيَّنِ إذا قُصِدَ تعميمُ الخِطابِ لكلِّ مَنْ يُمْكِنُ خطابُهِ، نحوَ: اللئيمُ مَنْ إذا أَحْسَنْتَ إليهِ أَساءَ إليكَ. (وأمَّا العَلَمُ) فيُؤتَى بهِ لإحضارِ معناهُ في ذِهْنِ السامعِ باسْمِه الخاصِّ، نحوَ: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ). وقدْ يُقْصَدُ بهِ معَ ذلكَ أغْرَاضٌ أُخْرَى: كالتعظيمِ، في نحوَ: رَكِبَ سيفُ الدولةِ، والإهانةِ في نحوَ: ذَهَبَ صَخْرٌ، والكنايةِ عنْ مَعْنًى يَصْلُحُ اللفظُ لهُ، في نحوَ: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} .

(وأمَّا اسمُ الإشارةِ) ، فيُؤْتَى بهِ إذا تَعَيَّنَ طريقًا لإحضارِ معناهُ، كقولِك: بِعْنِي هذا. مُشيرًا إلى شيءٍ لا تَعرِفُ لهُ اسْمًا ولا وصْفًا. أمَّا إذا لمْ يَتعيَّنْ طريقًا لذلكَ فيكونُ لأغراضٍ أُخْرى:

1 -كإظهارِ الاستغرابِ، نحوَ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت