وَفِي نُسْخَةٍ: وَلَا يَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ؛ أَيْ: بِخَلَافِ تَخْصِيصِهِ بِهَا كَمَا تَقَدَّمَ؛ لأَنَّ التَّخْصِيصَ أَهْوَنُ مِن النَّسْخِ.
(وَيَجُوزُ نَسْخُ الْمُتَوَاتِرِ بِالْمُتَوَاتِرِ، وَنَسْخُ الآحَادِ بِالآحَادِ وَبِالْمُتَوَاتِرِ. وَلَا يَجُوزُ نَسْخُ الْمُتَوَاتِرِ) كَالْقُرْآنِ (بِالآحَادِ) ؛ لأَنَّهُ دُونَهُ فِي الْقُوَّةِ. وَالرَّاجِحُ جَوَازُ ذَلِكَ؛ لأَنَّ مَحَلَّ النَّسْخِ هُوَ الْحُكْمُ، وَالدَّلَالَةُ عَلَيْهِ بِالْمُتَوَاتِرِ ظَنِّيَّةٌ كَالآحَادِ.
(فَصْلٌ فِي التَّعَارُضِ
إِذَا تَعَارَضَ نُطْقَانِ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَا عَامَّيْنِ، أَوْ خَاصَّيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا عَامًّا وَالآخَرُ خَاصًّا، أَوْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَامًّا مِنْ وَجْهٍ وَخَاصًّا مِنْ وَجْهٍ.
فَإِنْ كَانَا عَامَّيْنِ، فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا جُمِعَ) بِحَمْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى حَالٍ. مِثَالُهُ حَدِيثُ: (( شَرُّ الشُّهُودِ الَّذِي يَشْهَدُ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ ) )، وَحَدِيثُ: (( خَيْرُ الشُّهُودِ الَّذِي يَشْهَدُ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ ) )، فَحُمِلَ الأَوَّلُ عَلَى مَا إِذَا كَانَ مَنْ لَهُ الشَّهَادَةُ عَالِمًا بِهَا، وَالثَّانِي عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهَا. وَالثَّانِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ: (( أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهُودِ؟ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا ) ). وَالأَوَّلُ مُتَّفَقٌ عَلَى مَعْنَاهُ فِي حَدِيثِ: (( خَيْرُكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِي يَلُونَهُمْ ) )إِلَى قَوْلِهِ: (( ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدُوا ) ).
(وَإِنْ لَمْ يُمْكِن الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا يُتَوَقَّفُ فِيهِمَا، إِنْ لَمْ يُعْلَم التَّارِيخُ) ، أَيْ: إِلَى أَنْ يَظْهَرَ مُرَجِّحُ أَحَدِهِمَا. مِثَالُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [سُورَة الْمُؤْمِنُونَ: 6] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} [سُورَة النِّسَاءِ: 23] . فَالأَوَّلُ يُجَوِّزُ جَمْعَ الأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ اليَمِينِ، وَالثَّانِي يُحَرِّمُ ذَلِكَ، فَرُجِّحَ التَّحْرِيمُ؛ لأَنَّهُ أَحْوَطُ.
(فَإِنْ عُلِمَ التَّارِيخُ فَيُنْسَخُ الْمُتَقَدِّمُ بِالْمُتَأَخِّرِ) ، كَمَا فِي آيَتَيْ عِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَآيَتَي الْمُصَابَرَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَت الأَرْبَعُ.
(وَكَذَا إِنْ كَانَا خَاصَّيْنِ) ؛ أَيْ: فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا جُمِعَ، كَمَا فِي حَدِيثِ: أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - تَوَضَّأَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ، وهَذَا مَشْهُورٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَحَدِيثِ: أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - تَوَضَّأَ وَرَشَّ الْمَاءَ عَلَى قَدَمَيْهِ وَهُمَا فِي النَّعْلَيْنِ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا. فَجُمِعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الرَّشَّ فِي حَالِ التَّجْدِيدِ؛ لِمَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ: أَنَّ هَذَا وُضُوءُ مَنْ لَمْ يُحْدِثْ.
(وَإِنْ لَمْ يُمْكِن الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يُعْلَم التَّارِيخُ يُتَوَقَّفُ فِيهِمَا إِلَى ظُهُورِ مُرَجِّحٍ لأَحَدِهِمَا) . مِثَالُهُ مَا جَاءَ: أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - سُئِلَ عَمَّا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِن امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ، فَقَالَ: (( مَا فَوْقَ الْإِزَارِ ) ). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَجَاءَ أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: (( اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ ) )؛ أَي: الوَطْءَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَمِنْ جُمْلَتِهِ الوَطْءُ فِيمَا فَوْقَ الإِزَارِ. فَتَعَارَضَا فِيهِ. فَرَجَّحَ بَعْضُهُم التَّحْرِيمَ احْتِيَاطًا، وَبَعْضُهُم الْحِلَّ؛ لأَنَّهُ الأَصْلُ فِي الْمَنْكُوحَةِ. (وَإِنْ عُلِمَ التَّارِيخُ نُسِخَ الْمُتَقَدِّمُ بِالْمُتَأَخِّرِ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ زِيَارَةِ القُبُورِ.
(وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَامًّا وَالآخَرُ خَاصًّا فَيُخَصُّ الْعَامُّ بِالْخَاصِّ) ، كَتَخْصِيصِ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: (( فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ ) )بِحَدِيثِهِمَا: (( لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ ) )كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَامًّا مِنْ وَجْهٍ وَخَاصًّا مِنْ وَجْهٍ، فَيُخَصُّ عُمُومُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِخُصُوصِ الآخَرِ) بِأَنْ يُمْكِنَ ذَلِكَ. مِثَالُهُ: حَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ: (( إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْجُسُ ) )، مَعَ حَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ: (( الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ، إِلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ ) ). فَالأَوَّلُ خَاصٌّ بِالْقُلَّتَيْنِ، عَامٌّ فِي الْمُتَغَيِّرِ وَغَيْرِهِ. وَالثَّانِي خَاصٌّ فِي الْمُتَغَيِّرِ، عَامٌّ فِي الْقُلَّتَيْنِ وَمَا دُونَهُمَا. فَخُصَّ عُمُومُ الأَوَّلِ بِخُصُوصِ الثَّانِي حَتَّى يُحْكَمَ بِأَنَّ مَاءَ الْقُلَّتَيْنِ يَنْجُسُ بِالتَّغَيُّرِ، وَخُصَّ عُمُومُ الثَّانِي بِخُصُوصِ الأَوَّلِ حَتَّى يُحْكَمَ بِأَنَّ مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ يَنْجُسُ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ.