(وَأَمَّا النَّسْخُ: فَمَعْنَاهُ لُغَةً: الإِزَالَةُ) ، يُقَالُ: نَسَخَت الشَّمْسُ الظِّلَّ، إِذَا أَزَالَتْهُ وَرَفَعَتْهُ بِانْبِسَاطِهَا. (وَقِيلَ: مَعْنَاهُ النَّقْلُ، مِنْ قَوْلِهِمْ: نَسَخْتُ مَا فِي هَذَا الكِتَابِ، إِذَا نَقَلْتُهُ) بِأَشْكَالِ كِتَابَتِهِ.
(وَحَدُّهُ) شَرْعًا: (الْخِطَابُ الدَّالُّ عَلَى رَفْعِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْخِطَابِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى وَجْهٍ لَوْلَاهُ لَكَانَ ثَابِتًا مَعَ تَرَاخِيهِ عَنْهُ) . هَذَا حَدٌّ لِلنَّاسِخِ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ حَدُّ النَّسْخِ بِأَنَّهُ: رَفْعُ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ بِخِطَابٍ ... إِلَى آخِرِهِ؛ أَيْ: رَفْعُ تَعَلُّقِهِ بِالْفِعْلِ. فَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: الثَّابِتِ بِالْخِطَابِ رَفْعُ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْبَرَاءَةِ الأَصْلِيَّةِ؛ أَيْ: عَدَمُ التَّكْلِيفِ بِشَيْءٍ. وَبِقَوْلِنَا: بِخِطَابٍ، الْمَأْخُوذِ مِنْ كَلَامِهِ، الرَّفْعُ بِالْمَوْتِ وَالْجُنُونِ. وِبَقَوْلِهِ: عَلَى وَجْهٍ ... إِلَى آخِرِهِ، مَا لَوْ كَانَ الْخِطَابُ الأَوَّلُ مُغَيًّا بِغَايَةٍ، أَوْ مُعَلَّلًا بِمَعْنًى. وَصَرَّحَ الْخِطَابُ الثَّانِي بِمُقْتَضَى ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى نَاسِخًا لِلأَوَّلِ. مِثَالُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [سُورَة الْجُمُعَةِ: 9] ، فَتَحْرِيمُ الْبَيْعِ مُغَيًّا بِانْقِضَاءِ الْجُمُعَةِ، فَلَا يُقَالُ: إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {فَإذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [سُورَة الْجُمُعَةِ: 10] نَاسِخٌ لِلأَوَّلِ، بَلْ بَيَّنَ غَايَةَ التَّحْرِيمِ. وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [سُورَة الْمَائِدَةِ: 96] ، لَا يُقَالُ: نَسَخَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [سُورَة الْمَائِدَةِ: 2] ؛ لأَنَّ التَّحْرِيمَ لِلإِحْرَامِ، وَقَدْ زَالَ. وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: مَعَ تَرَاخِيهِ عَنْهُ، مَا اتَّصَلَ بِالْخِطَابِ مِنْ صِفَةٍ أَوْ شَرْطٍ أَو اسْتِثْنَاءٍ.
(وَيَجُوزُ نَسْخُ الرَّسْمِ وَبَقَاءُ الْحُكْمِ) ، نَحْوُ: الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ. قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَإِنَّا قَدْ قَرَأْنَاهَا. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ. وَقَدْ رَجَمَ - صلى الله عليه وسلم - الْمُحْصَنَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهُمَا الْمُرَادُ بِالشَّيْخِ وَالشَّيْخَةِ.
(وَنَسْخُ الْحُكْمِ وَبَقَاءُ الرَّسْمِ) ، نَحْوُ: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ} [سُورَة الْبَقَرَةِ: 240] ، نُسِخَ بِآيَةِ: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [سُورَة الْبَقَرَةِ: 234] .
(وَنَسْخُ الأَمْرَيْنِ مَعًا) ، نَحْوُ حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، فَنُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ.
(وَيَنْقَسِمُ النَّسْخُ إِلَى بَدَلٍ، وَإِلَى غَيْرِ بَدَلٍ) .
الأَوَّلُ: كَمَا فِي نَسْخِ اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ، وَسَيَأْتِي.
وَالثَّانِي: كَمَا فِي نَسْخِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} .
(وإِلَى مَا هُوَ أَغْلَظُ) ، كَنَسْخِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ صَوْمِ رَمَضَانَ وَالْفِدْيَةِ إِلَى تَعْيِينِ الصَّوْمِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} [سُورَة الْبَقَرَةِ: 184] ، إِلَى قَوْلِهِ: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [سُورَة الْبَقَرَةِ: 184] .
(وَإِلَى مَا هُوَ أَخَفُّ) ؛ كَنَسْخِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} [سُورَة الأَنْفَالِ: 65] ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} . [سُورَة الأَنْفَالِ: 66] .
(وَيَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ) ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي آيَتَي الْعِدَّةِ، وَآيَتَي الْمُصَابَرَةِ.
(وَنَسْخُ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ) ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي نَسْخِ اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ الثَّابِتِ بِالسُّنَّةِ الْفِعْلِيَّةِ كَمَا فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ بقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [سُورَة البَقَرَةِ: 144] .
(وَبِالسُّنَّةِ) ، نَحْوُ حَدِيثِ مُسْلِمٍ: (( كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا ) ).
وَسَكَتَ عَنْ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ، وَقَدْ قِيلَ بِجَوَازِهِ. مُثِّلَ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [سُورَة الْبَقَرَةِ: 180] ، مَعَ حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ: (( لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ ) )، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ خَبَرُ وَاحِدٍ. وَسَيَأْتِي أَنَّهُ لَا يُنْسَخُ الْمُتَوَاتِرُ بِالآحَادِ.