فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَخْصِيصُ عُمُومِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِخُصُوصِ الآخَرِ؛ احْتِيجَ إِلَى التَّرْجِيحِ بَيْنَهُمَا فِيمَا تَعَارَضَا فِيهِ. مِثَالُهُ: حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ: (( مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ ) )، وَحَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ. فَالأَوَّلُ عَامٌّ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ خَاصٌّ بِأَهْلِ الرِّدَّةِ. وَالثَّانِي خَاصٌّ بِالنِّسَاءِ عَامٌّ فِي الْحَرْبِيَّاتِ وَالْمُرْتَدَّاتِ. فَتَعَارَضَا فِي الْمُرْتَدَّةِ هَلْ تُقْتَلُ أَمْ لَا؟ وَالرَّاجِحُ أَنَّهَا تُقْتَلُ.
(وَأَمَّا الإِجْمَاعُ: فَهُوَ اتِّفَاقُ عُلَمَاءِ) أَهْلِ (الْعَصْرِ عَلَى حُكْمِ الْحَادِثَةِ) ، فَلَا يُعْتَبَرُ وِفَاقُ الْعَوَامِّ لَهُمْ.
(وَنَعْنِي بِالْعُلَمَاءِ الْفُقَهَاءَ) ، فَلَا يُعْتَبَرُ مُوَافَقَةُ الأُصُولِيِّينَ لَهُمْ.
(وَنَعْنِي بِالْحَادِثَةِ الْحَادِثَةَ الشَّرْعِيَّةَ) ؛ لأَنَّهَا مَحَلُّ نَظَرِ الْفُقَهَاءِ، بِخِلَافِ اللُّغَوِيَّةِ مَثَلًا؛ فَإِنَّمَا يُجْمِعُ فِيهَا عُلَمَاءُ اللُّغَةِ.
(وَإِجْمَاعُ هَذِهِ الأُمَّةِ حُجَّةٌ دُونَ غَيْرِهَا؛ لِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم:(( لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ ) )). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ. (وَالشَّرْعُ وَرَدَ بِعِصْمَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ) ؛ لهَذَا الْحَدِيثِ وَنَحْوِهِ.
(وَالإِجْمَاعُ حُجَّةٌ عَلَى الْعَصْرِ الثَّانِي) وَمَنْ بَعْدَهُ، (وَفِي أَيِّ عَصْرٍ كَانَ) مِنْ عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ.
(وَلَا يُشْتَرَطُ) فِي حُجِّيَّتِهِ (انْقِرَاضُ الْعَصْرِ) بِأَنْ يَمُوتَ أَهْلُهُ (عَلَى الصَّحِيحِ) ؛ لِسُكُوتِ أَدِلَّةِ الْحُجِّيَّةِ عَنْهُ. وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَطْرَأَ لِبَعْضِهِمْ مَا يُخْالِفُ اجْتِهَادَهُ فَيَرْجِعَ عَنْهُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ؛ لإِجْمَاعِهِمْ عَلَيْهِ.
(فَإِنْ قُلْنَا: انْقِرَاضُ الْعَصْرِ شَرْطٌ فَيُعْتَبَرُ) فِي انْعِقَادِ الإِجْمَاعِ (قَوْلُ مَنْ وُلِدَ فِي حَيَاتِهِمْ وَتَفَقَّهَ وَصَارَ مِنْ أَهْلِ الاجْتِهَادِ. وَلَهُمْ) عَلَى هَذَا القَوْلِ (أَنْ يَرْجِعُوا عَنْ ذَلِكَ) الْحُكْمِ الَّذِي أَدَّى اجْتِهَادُهُمْ إِلَيْهِ.
(وَالإِجْمَاعُ يَصِحُّ بِقَوْلِهِمْ وَبِفِعْلِهِمْ) ، كَأَنْ يَقُولُوا بِجَوَازِ شَيْءٍ، أَو يَفْعَلُوهُ، فَيَدُلَّ فِعْلُهُمْ لَهُ عَلَى جَوَازِهِ؛ لِعِصْمَتِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَبِقَوْلِ البَعْضِ وَفِعْلِ الْبَعْضِ،(وَانْتِشَارِ ذَلِكَ) الْقَوْلِ أَو الْفِعْلِ (وَسُكُوتِ الْبَاقِينَ عَنْهُ) . وَيُسَمَّى ذَلِكَ بِالإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ.
(وَقَوْلُ الْوَاحِدِ مِن الصَّحَابَةِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى غَيْرِهِ عَلَى الْقَوْلِ الْجَدِيدِ) . وَفِي الْقَدِيمِ حُجَّةٌ؛ لِحَدِيثِ: (( أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ ) ). وَأُجِيبَ بِضَعْفِهِ.
(وَأَمَّا الأخْبَارُ: فَالْخَبَرُ مَا يَدْخُلُهُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ) ؛ لاحْتِمَالِهِ لَهُمَا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ خَبَرٌ؛ كَقَوْلِكَ: قَامَ زَيْدٌ. يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ صِدْقًا، وَأَنْ يَكُونَ كَذِبًا، وَقَدْ يُقْطَعُ بِصِدْقِهِ أَوْ كَذِبِهِ لأَمْرٍ خَارِجِيٍّ. الأَوَّلُ: كَخَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالثَّانِي: كَقَوْلِكَ: الضِّدَّانِ يَجْتَمِعَانِ.
(وَالْخَبَرُ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: آحَادٍ وَمُتَوَاتِرٍ.
فَالْمُتَوَاتِرُ: مَا يُوجِبُ الْعِلْمَ. وَهُوَ أَنْ يَرْوِيَ جَمَاعَةٌ لَا يَقَعُ التَّوَاطُؤُ عَلَى الْكَذِبِ عَنْ مِثْلِهِمْ، وَهَكَذَا إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى الْمُخْبَرِ عَنْهُ، فَيَكُونُ فِي الأَصْلِ عَنْ مُشَاهَدَةٍ، أَوْ سَمَاعٍ، لَا عَن اجْتِهَادٍ)؛ كَالإِخْبَارِ عَن مُشَاهَدَةِ مَكَّةَ، أَوْ سَمَاعِ خَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى مِن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -. بِخِلَافِ الإِخْبَارِ عَن مُجْتَهَدٍ فِيهِ؛ كَإِخْبَارِ الْفَلَاسِفَةِ بِقِدَمِ الْعَالَمِ.
(وَالآحَادُ) وَهُوَ مُقَابِلُ الْمُتَوَاتِرِ: (هُوَ الَّذِي يُوجِبُ الْعَمَلَ، وَلَا يُوجِبُ الْعِلْمَ) ؛ لاحْتِمَالِ الْخَطَأِ فِيهِ.(وَيَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: مُرْسَلٍ وَمُسْنَدٍ.
فَالْمُسْنَدُ: مَا اتَّصَلَ إِسْنَادُهُ)، بِأَنْ صُرِّحَ بِرُوَاتِهِ كُلِّهِمْ.
(وَالْمُرْسَلُ: مَا لَمْ يَتَّصِلْ إِسْنَادُهُ) ، بِأَنْ أُسْقِطَ بَعْضُ رُوَاتِهِ.
(فَإِنْ كَانَ مِنْ مَرَاسِيلِ غَيْرِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ) ؛ لاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ السَّاقِطُ مَجْرُوحًا، (إِلَّا مَرَاسِيلَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ) مِن التَّابِعِينَ، أَسْقَطَ الصَّحَابِيَّ وَعَزَاهَا لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ فَهِيَ حُجَّةٌ؛ (فَإِنَّهَا فُتِّشَتْ) ؛ أَيْ: فُتِّشَ عَنْهَا، (فَوُجِدَتْ مَسَانِيدَ) ؛ أَيْ: رَوَاهَا لَهُ الصَّحَابِيُّ الَّذِي أَسْقَطَهُ، (عَن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -) ، وَهُوَ فِي الْغَالِبِ صِهْرُهُ -أَبُو زَوْجَتِهِ- أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.