فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 399

اللَّفْظِ والمَعْنَى، لَا أنَّهَا مُتَولِّدةٌ منه تَوَلُّدَ الفَرْعِ من أصْلِه. وتَسْمِيَةُ النُّحَاةِ للمَصْدَرِ والمُشْتَقِّ منه أَصْلًا وفَرْعًا لَيْسَ مَعْناهُ أنَّ أحدَهمُا تولَّدَ مِن الآخَرِ، وإنَّما هو باعْتِبَارِ أنَّ أحَدَهُمَا يَتَضَمَّنُ الْآخَرَ وزِيَادَةً.

وذَكَرَ ابْنُ القَيِّمِ لِهَذَا الْاسْمِ الشَّرِيفِ عَشْرَ خَصَائِصَ لفْظِيَّةٍ ثُمَّ قَالَ: وأمُّا خَصَائِصُهُ المَعْنَوِيَّةُ فقد قالَ فيها أَعْلَمُ الخَلْقِ بهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ ) )وكيف تُحْصَى خَصَائِصُ اسْمٍ مُسَمَّاهُ كلُّ كمَالٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَكُلُّ مَدْحٍ وَكُلُّ حَمْدٍ وَكُلُّ ثَنَاءٍ وَكُلُّ مَجْدٍ وَكُلُّ جَلَالٍ وَكُلُّ إِكْرَامٍ وَكُلُّ عِزٍّ وكُلُّ جَمَالٍ وَكُلُّ خَيْرٍ وإِحْسَانٍ وجُودٍ وَبِرٍّ وفَضْلٍ فَلَهُ ومِنْهُ، فَمَا ذُكِرَ هذا الْاسْمُ في قَلِيلٍ إِلَّا كَثَّرَهُ، وَلَا عِنْدَ خَوْفٍ إِلَّا أَزَالَهُ، ولَا عِنْدَ كَرْبٍ إِلَّا كَشَفَهُ، وَلَا عِنْدَ هَمٍّ وغَمٍّ إلَّا فَرَّجَهُ، ولَا عِنْدَ ضِيقٍ إِلَّا وَسَّعَهُ، ولا تَعَلَّقَ بهِ ضَعِيفٌ إِلَّا أَفَادَهُ القُوَّةَ، وَلَا ذَلِيلٌ إِلَّا أنَالَهُ العِزَّ، وَلَا فَقِيرٌ إِلَّا أَصَارَهُ غَنِيًّا، وَلَا مُسْتَوْحِشٌ إِلَّا آنَسَهُ، وَلَا مَغْلُوبٌ إِلَّا أيَّدَهُ ونَصَرَهُ، وَلَا مُضْطَرٌّ إلَا كَشَفَ ضُرَّهُ، وَلَا شَرِيدٌ إِلَّا آواهُ. فهو الْاسْمُ الَّذِي تُكْشَفُ بهِ الكُرُبَاتُ، وتُسْتَنْزَلُ بهِ البَرَكَاتُ والدَّعَوَاتُ، وتُقَالَ بهِ العَثَرَاتُ، وتُسْتَدْفَعُ بِهِ السَّيِّئَاتُ، وتُسْتَجْلَبُ بهِ الحَسَنَاتُ، وهو الْاسْمُ الَّذِي بِهِ قَامَتِ السَّمَاواتُ والْأَرْضُ، وبِهِ أُنْزِلَتِ الكُتُبُ، وبهِ أُرْسِلَتِ الرُّسُلُ، وبهِ شُرِعَتِ الشَّرَائِعُ، وبهِ قَامَتِ الحُدُودُ، وبهِ شُرِعَ الجِهَادُ، وبهِ انْقَسَمَتِ الخَلِيقَةُ إِلَى السُّعَداءِ والْأَشْقِيَاءِ، وبهِ حَقَّتِ الحَاقَّةُ، ووَقَعَتِ الوَاقِعَةُ، وبهِ وُضِعَتِ المَوَازِينُ القِسْطُ، ونُصِبَ الصِّرَاطُ، وقَامَ سُوقُ الجنَّةِ والنَّارِ، وبهِ عُبِدَ رَبُّ العَالَمِينَ وَحُمِدَ، وبِحَقِّهِ بُعِثَتِ الرُّسُلُ، وعنه السُّؤالُ في القَبْرِ ويومَ البَعْثِ والنُّشُورِ وبهِ الخِصَامُ، وإليهِ المُحَاكَمَةُ، وفيه المُوَالَاةُ والمُعَادَاةُ، وبهِ سَعِدَ مَنْ عَرَفَهُ وقام بِحَقِّهِ، وبهِ شَقِيَ مَنْ جَهِلَهُ وتَرَكَ حَقَّهُ، فهو سِرُّ الخَلْقِ والْأَمْرِ وبهِ قامَا وَثَبَتَا، وإِلَيْهِ انْتَهَيَا، فالخَلْقُ والْأَمْرُ بهِ وإِلَيْهِ ولِأَجْلِهِ فَمَا وُجِدَ خَلْقٌ وَلَا أَمْرٌ وَلَا ثَوَابٌ وَلَا عِقَابٌ إِلَّا مُبْتَدِئًا منه، مُنْتَهِيًا إِلَيْهِ، وذَلِكَ مُوجِبُهُ ومُقْتَضَاهُ، ربَّنَا ما خَلَقْتَ هَذَا باَطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ إلى آخِرِ كَلَامِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

(الرَّحمنُ والرَّحيَمُ) : قَالَ ابنُ كثيرٍ: اسْمَانِ مُشْتَقَّانِ مِن الرَّحْمَةِ عَلَى وَجْهِ المُبَالَغَةِ، ورَحْمَنُ أَشَدُّ مُبَالَغَةً مِن رَحِيمٍ. قَالَ ابنُ عبَّاسٍ: وَهُمَا اسْمَانِ رَقِيقَانِ أَحَدُهُما أَرَقُّ مِن الآخَرِ، أي: أَوْسَعُ رَحْمَةً، وَقَالَ ابنُ المُبَارَكِ: الرَّحْمَنُ إِذَا سُئِلَ أَعْطَى، والرَّحِيمُ إِذَا لَمْ يُسْأَلْ يَغْضَبُ.

قُلْتُ: كَأنَّ فيه إِشَارَةٌ إِلَى مَعْنَى كَلَامِ ابنِ عَبَّاسٍ؛ لِأَنَّ رَحْمَتَهُ تَعَالَى تَغْلِبُ غَضَبهُ، وَعَلَى هَذَا فالرَّحْمَنُ أَوْسَعُ مَعْنًى مِن الرَّحِيمِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ زِيَادَةُ البِنَاءِ.

وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الفَارِسِيُّ: الرَّحْمَنُ اسْمٌ عَامٌّ في جَمِيعِ أَنْوَاعِ الرَّحْمَةِ يَخْتَصُّ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى، والرَّحِيمُ إنَّما هو في جِهَةِ المُؤْمِنِينَ. قَالَ اللَّهُ -تَعَالَى-: {وَكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: 43] ونَحْوَهُ. قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: ويُشكِلُ عَلَيْهِ قولُهُ -تَعَالَى-: {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 143] وقولُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحَدِيثِ: (( رَحْمَنَ الدُنْيَا وَالآخِرَةِ وَرَحِيمَهُمَا ) )فالصَّوابُ -إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى- ما قَالَهُ ابنُ القَيِّمِ: إنَّ الرَّحْمَنَ دَالٌّ عَلَى الصِّفَةِ القَائِمَةِ بهِ -سُبْحَانَهُ-، والرَّحيمَ دالٌّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت