فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 399

عَلَى تعلُّقِهَا بالمَرْحُومِ، فكَانَ الْأَوَّلُ للوَصْفِ والثَّانِي للفِعْلِ، فالْأَوَّلُ دَالٌّ عَلَى أنَّ الرَّحْمَةَ صِفَتُهُ، والثَّانِي دالٌّ عَلَى أنَّهُ يَرْحَمُ خَلْقَهُ بِرَحْمَتِهِ. وإِذَا أَرَدْتَ فَهْمَ هَذَا فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ -تَعَالَى-: {وَكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} {إنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 117] وَلَمْ يَجِئْ قَطُّ رَحْمَنُ بِهِم، فَعُلِمَ أنَّ (رَحْمَن) هو المَوْصُوفُ بالرَّحْمَةِ، و (رَحِيم) هو الرَّاحِمُ بِرَحْمَتِهِ.

والرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ نَعْتَانِ للَّهِ -تَعَالَى-. واعْتُرِضَ بورُودِ اسْمِ الرَّحْمَنِ غَيْرَ تابعٍ لِاسْمٍ قَبْلَهُ. قَالَ تَعَالَى: {الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] فهو عَلَمٌ، فَكَيْفَ يُنْعَتُ بهِ. والجَوَابُ ما قَالَهُ ابنُ القَيِّمِ أَنَّ أَسْمَاءَ الرَّبِّ -تَعَالَى- هي أَسْمَاءٌ ونُعُوتٌ، فَإِنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى صِفَاتِ كَمَالِهِ، فَلَا تَنَافِيَ فيها بَيْنَ العَلَمِيَّةِ والوَصْفِيَّةِ، فالرَّحْمَنُ اسْمُهُ تَعَالَى ووصْفُهُ تَعَالَى لَا يُنَافِي اسْمِيَّتَهُ، فَمِن حَيْثُ هو صِفَةٌ جَرَى تَابِعًا لِاسْمِ اللَّهِ -تَعَالَى-، ومِن حَيْثُ هو اسْمٌ وَرَدَ في القُرْآنِ غَيْرَ تَابِعٍ، بل وَرَدَ الْاسْمُ العَلَمُ. ولَمَّا كَانَ هَذَا الْاسْمُ مُخْتَصًّا بهِ سُبْحَانَهُ حَسُنَ مَجِيئُهُ مُفْرَدًا غَيْرَ تَابِعٍ كَمَجِيءِ اسْمِ اللَّهِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي دَلَالَتَهُ عَلَى صِفَةِ الرَّحْمَةِ كاسْمِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى صِفَةِ الْأُلُوهِيَّةِ فلَمْ يَجِئْ قَطٌّ تَابِعًا لغَيْرِهِ بلْ مُتْبُوعًا, وهَذَا بِخِلَافِ العَلِيمِ والقَدِيرِ والسَّمِيعِ والبَصِيرِ ونَحْوِهَا، ولِهَذَا لَا تَجِيءُ هَذِهِ مُفْرَدَةً بل تَابِعَةً.

قُلْتُ: قولُهُ عن اسمِ اللَّهِ: ولَمْ يَجِئْ قَطُّ تَابِعًا لغَيْرِهِ، بل لَقَدْ جَاءَ في قولِهِ تَعَالَى: {إِلى صِرَاطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ. اللَّهِ الَّذِي له مَا فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} [إبراهيم: 1 - 2] عَلَى قِرَاءَةِ الجَرِّ, وجَوَابُ ذَلِكَ مِن كَلَامِهِ المُتَقَدِّمِ، فيُقَالُ فيه مَا قَالَهُ في اسْمِ الرَّحْمَنِ.

[ (2) (كتابُ التَّوْحِيدِ) ] [1]

الكِتَابُ مَصْدَرُ كَتَبَ يَكْتُبُ كِتَابًا وكِتَابَةً وكَتْبًا. ومَدَارُ الْمَادَّةِ عَلَى الجَمْعِ. ومنه تَكَتَّبَ بَنُو فُلَانٍ: إِذَا اجْتَمَعُوا. والكَتِيبَةُ لِجَمَاعَةِ الخَيْلِ، والكِتَابَةُ بالقَلَمِ لِاجْتِمَاعِ الكَلِمَاتِ والحُرُوفِ، وسُمِّيَ الكِتَابُ كِتَابًا لِجَمْعِهِ مَا وُضِعَ له، ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ.

والتَّوْحِيدُ مَصْدَرُ وَحَّدَ يُوَحِّدُ تَوْحِيدًا، أي: جَعَلَهُ واحِدًا، وسُمِّيَ دِينُ الْإِسْلَامِ تَوْحِيدًا؛ لِأَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ في مُلْكِهِ وأَفْعَالِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ، ووَاحِدٌ في ذَاتِهِ وصِفَاتِهِ لَا نَظِيرَ لَهُ، ووَاحِدٌ في إلَهِيَّتِهِ وعِبَادَتِهِ لَا نِدَّ له، وإلى هذه الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ يَنْقَسِمُ تَوْحِيدُ الْأَنْبِيَاءِ والمُرْسَلِينَ الَّذِينَ جَاؤُوا بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وهي مُتَلَازِمَةٌ، كُلُّ نَوْعٍ مِنْهَا لَا يَنْفَكُّ عن الْآخِرِ، فَمَنْ أَتَى بِنَوْعٍ مِنْهَا وَلَمْ يَأَتِ بالْآخَرِ، فَمَا ذَاكَ إِلَّا أنَّهُ لَمْ يَأْتِ بهِ عَلَى وَجْهِ الكَمَالِ المَطْلُوبِ. وإِنْ شِئْتَ قلْتَ: التَّوحِيدُ نَوْعَانِ:

تَوْحِيدٌ في المَعْرِفَةِ والْإِثْبَاتِ، وهو تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ والْأَسْمَاءِ والصِّفَاتِ،

وتَوْحِيدٌ في الطَّلَبِ والقَصْدِ وهو تَوْحِيدُ الْإِلَهِيَّةِ والعِبَادَةِ. ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وابْنُ القَيِّمِ وذَكَرَ مَعْنَاهُ غَيْرُهُمَا.

(1) ما بين المعقوفتين غير موجود في الأصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت