فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 399

النَّوعُ الْأَوَّلُ: تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ والمُلْكِ، وهو الْإِقْرَارُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ومَالِكُهُ وخَالِقُهُ ورَازِقُهُ، وأَنَّهُ المُحْيِي المُمِيتُ النَّافِعُ الضَّارُّ المُتَفَرِّدُ بِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ عِنْدَ الْاضْطِرَارِ، الَّذِي له الْأَمْرُ كُلُّهُ، وبِيَدِهِ الخَيْرُ كُلُّهُ، القَادِرُ عَلَى مَا يَشَاءُ، لَيْسَ له في ذَلِكَ شَرِيكٌ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الْإِيمَانُ بالقَدَرِ، وهَذَا التَّوْحِيدُ لَا يَكْفِي العَبْدَ في حُصُولِ الْإِسْلَامِ، بل لَا بُدَّ أَنْ يَأْتِيَ مَعَ ذَلِكَ بِلَازِمِهِ مِن تَوْحِيدِ الْإِلَهِيَّةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَى عن المُشْرِكِينَ أنَّهُم مُقِرُّونَ بِهَذَا التَّوْحِيدِ للَّهِ وَحْدَهُ قَالَ تَعَالَى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [يونس: 31] وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف: 87] وقالَ: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بهِ الأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [العنكبوت: 63] وَقَالَ تَعَالَى: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ} [النمل: 62] فهُمْ كانُوا يَعْلَمُوَن أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ للَّهِ وَحْدَهُ ولَمْ يَكُونُوا بِذَلِكَ مُسْلِمِينَ، بل قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّه إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ} [يوسف: 106] قَالَ مُجَاهِدٌ في الْآيَةِ: إِيمَانهُمُ باللَّهِ قَوْلُهُم: إنَّ اللَّهَ خَلَقَنَا ويَرْزُقُنَا ويُمِيتُنَا، فَهَذَا إِيمَانٌ مَعَ شِرْكِ عِبَادَتِهِم غَيْرَهُ. رواهُ ابنُ جَرِيرٍ وابنُ أَبِي حَاتمٍ. وعن ابنِ عَبَّاسٍ وعَطَاءٍ والضَّحَّاكِ نَحْوَ ذَلِكَ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الكُفَّارَ يَعْرِفُونَ اللَّهَ وَيَعْرِفُونَ رُبُوبِيَّتَهُ، ومُلْكَهُ وَقَهْرَهُ، وكَانُوا مَعَ ذَلِكَ يَعْبُدُونَهُ وَيُخْلِصُونَ لَهُ أَنْوَاعًا مِن العِبَادَاتِ كالحَجِّ والصَّدَقَةِ والذَّبْحِ والنَّذْرِ والدُّعاءِ وَقْتَ الْاضْطِرَارِ ونَحْوِ ذَلِكَ. ويَدَّعُونَ أنَّهُم عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَا كانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 67] وبَعْضُهُم يُؤْمِنُ بالبَعْثِ والحِسَابِ، وبَعْضُهُمْ يُؤْمِنُ بالقَدَرِ.

كَمَا قَالَ زُهَيرٌ:

يُؤَخَّرُ فَيُوضَعُ في كِتَابٍ فيُدَّخَرْ ... لِيَوْمِ الحِسَابِ أو يُعَجَّلُ فَيَنْقِمِ

وقالَ عَنْتَرَةُ:

يَا عَْبلُ أَيْنَ مِن المَنِيَّةِ مَهْرَبُ ... إِنْ كَانَ رَبِّي في السَّمَاءِ قَضَاهَا

ومِثْلَ هَذَا يَوجَدُ في أَشْعَارِهِم، فَوَجَبَ عَلَى كلِّ مَن عَقَلَ عن اللَّهِ تَعَالىَ أَنْ يَنْظُرَ ويَبْحَثَ عن السَّبَبِ الَّذي أَوْجَبَ سَفْكَ دِمَائِهِم، وسَبْيَ نِسَائِهِم، وإِبَاحَةَ أَمْوَالِهِم، مَعَ هَذَا الْإِقْرَارِ والمَعْرِفَةِ، ومَا ذَاكَ إِلَّا لِإِشْرَاكِهِم في تَوْحِيدِ العِبَادَةِ الَّذِي هو مَعْنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.

النَّوْعُ الثَّانِي: تَوْحِيدُ الْأَسْمَاءِ والصِّفَاتِ، وهو الْإِقْرَارُ بَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وعَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّهُ الحَيُّ القَيُّومُ الَّذي لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ، لَهُ المَشِيئَةُ النَّافِذَةُ، والحِكْمَةُ البَالِغَةُ، وأَنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى، وعَلَى المُلْكِ احْتَوَى، وأَنَّهُ المَلِكُ القُدُّوسُ السُّلَامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ، سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِن الْأَسْمَاءِ الحُسْنَى، والصِّفاتِ العُلَى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت