وهَذَا أَيْضًا لَا يَكْفِي في حُصُولِ الْإِسْلَامِ، بَلْ لَا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِن الْإِتْيَانِ بِلَازِمِه، مِن تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ والْإِلَهِيَّةِ. والكُفَّارُ يُقِرُّونَ بِجِنْسِ هَذَا النَّوْعِ، وإِنْ كَانَ بَعْضُهُم قَدْ يُنْكِرُ بَعْضَ ذَلِكَ، إمَّا جَهْلًا، وَإِمَّا عِنَادًا، كَمَا قَالُوا: لَا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إِلَّا رَحْمَنَ اليَمَامَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فيهِم: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ} [الرعد: 30] .
قالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: والظَّاهِرُ أَنَّ إِنْكَارَهُم هَذَا إنَّما هو جُحُودٌ وعِنَادٌ وتَعَنُّتٌ في كُفْرِهِم، فَإِنَّهُ قَدْ وُجِدَ في بَعْضِ أَشْعَارِ الجَاهِلِيَّةِ تَسْمِيَةُ اللَّهِ بالرَّحْمَنِ.
قالَ الشَّاعرُ:
وَمَا يَشَأِ الرَّحْمَنُ يَعْقِدْ ويُطْلِقْ
وَقَالَ الْآخَرُ:
أَلَا قَضَبَ الرَّحمنُ رَبِّي يمينَهَا
وهما جاهليَّانِ.
وقالَ زُهَيرٌ:
فَلَا تَكْتُمَنَّ اللَّهَ مَا في نُفُوسِكِم ... ليَخْفَى ومَهْمَا يُكْتَمِ اللَّهُ يَعْلَمِ
قُلْتُ: وَلَمْ يُعْرَفْ عَنْهُم إِنْكَارُ شَيْءٍ مِن هَذَا التَّوْحِيدِ إِلَّا في اسْمِ الرَّحْمَنِ خَاصَّةً، وَلَوْ كَانُوا يُنْكِرُونَهُ لَرَدُّوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك، كَمَا رَدُّوا عَلَيْهِ تَوْحِيدَ الْإِلَهِيَّةِ.
فَقَالُوا: {أَجَعَلَ الْآلَهِةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5] لَا سِيَّمَا السُّورُ المَكِّيَّةُ مَمْلُوءَةٌ بِهَذَا التَّوحِيدِ.
النَّوعُ الثَّالثُ: توَّحيدُ الإلهيَّةِ المَبْنِيُّ عَلَى إِخْلَاصِ التَّأَلُّهِ للَّهِ تَعَالَى، مِن المَحَبَّةِ وَالخَوْفِ، والرَّجَاءِ والتَّوَكُّلِ، والرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ، والدُّعَاءِ للَّهِ وَحْدَهُ. ويَنْبَنِي عَلَى ذلك إخلاصُ العِبَادَاتِ كُلِّهَا ظَاهِرِهَا وباطِنِها للَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ له، لَا يَجْعَلُ فيها شَيْئًا لِغَيْرِهِ، لَا لمَلَكٍ مُقَرَّبٍ، وَلَا لِنَبِيٍّ مُرْسَلٍ، فَضْلًا عن غَيْرِهِمَا. وهَذَا التَّوْحِيدُ هو الَّذِي تَضَمَّنَهُ قولُهُ تَعَالَى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} وقولُهُ تَعَالَى: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [هود: 123] وقولُهُ تَعَالَى: {فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [التوبة: 129] وقولُهُ تَعَالَى: {ربُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65] وقولُهُ تَعَالَى: {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88] وقولُهُ تعالَى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا} [الفرْقَان: 58] وقولُهُ: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99] .
وهذا التَّوحيدُ هو أوَّلُ الدِّينِ وآخِرُه، وباطنُهُ وظَاهِرُهُ، وهو أوَّلُ دَعْوَةِ الرُّسُلِ وآخِرُهَا، وهو مَعْنَى قَوْلِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. فَإِنَّ الْإِلَهَ هو المَأْلُوهُ المَعْبُودُ بالمَحَبَّةِ، والخَشْيَةِ، والْإِجْلَالِ، والتَّعْظِيمِ، وجَمِيعِ أَنْوَاعِ العِبَادَةِ، وَلِأَجْلِ هَذَا التَّوحيدِ خُلِقَتِ الخَلِيقَةُ، وأُرْسِلَتِ الرُّسُلُ، وأُنزلِتِ الكُتُبُ، وبِهِ افْتَرَقَ النَّاسُ إِلَى مُؤْمِنِينَ وكُفَّارٍ، وسُعَداءَ أَهْلِ الجَنَّةِ, وَأَشْقِيَاءَ أهلِ النَّارِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21] فَهَذَا أوَّلُ أَمْرٍ في القُرْآنِ. وَقَالَ