القَدْرَ ليَكُونَ اللَّفْظُ مُطَابِقًا لمَقْصُودِ الجَنَانِ، وهو أَنْ لَا يَكُونَ في القَلْبِ إِلَّا ذِكْرُ اللَّهِ وحدَهُ، فَكَمَا تَجَرَّدَ ذِكْرُهُ في قَلْبِ المُصَلِّي تَجَرَّدَ ذِكْرُه في لِسَانِهِ.
ومنها: أَنَّ الفِعْلَ إِذَا حُذِفَ صَحَّ الْابْتِدَاءُ بالتَّسْمِيَةِ في كُلِّ عَمَلٍ وَقَوْلٍ وَحَرَكَةٍ، ولَيْسَ فِعْلٌ أَوْلَى بِهَا مِن فِعْلٍ، فَكَانَ الحَذْفُ أَعَمَّ مِن الذِّكرِ، فَأَيَّ فِعْلٍ ذَكَرْتَهُ كَانَ المَحْذُوفُ أَعَمَّ منهُ.
(اللَّهِ) : عَلَمٌ عَلَى الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى. ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ أَعْرَفُ المَعَارِفِ. ويُقَالُ: إنَّهُ الْاسْمُ الْأَعْظَمُ؛ لِأَنَّهُ يُوصَفُ بِجَمِيعِ الصِّفَاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ له الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ له مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الحشر: 22 - 24] فَأَجْرَى الْأَسْمَاءَ البَاقِيَةَ كُلَّهَا صِفَاتٍ له.
واختلفُوا: هلْ هو اسمٌ جامدٌ أو مشتَقٌّ؟ عَلَى قولين: أَصَحُّهُمَا أنَّهُ مُشْتَقٌّ.
قالَ ابنُ جريرٍ: فإنَّهُ عَلَى ما رُوِيَ لَنَا عن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اللَّهُ ذُو الْأُلُوهِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ عَلَى خَلْقِهِ أَجْمَعِينَ.
وَذَكَرَ سِيبَوَيْهِ عن الخَلِيلِ أَنَّ أَصْلَهُ: (إِلَهٌ) مِثْلَ فِعَالٍ، فَأُدْخِلَتِ الْأَلِفُ واللَّامُ بَدَلًا مِن الهَمْزَةِ: قَالَ سِيبَوَيْهِ: مِثْلَ النَّاسِ أَصْلُهُ أُنَاسٌ. وَقَالَ الكِسَائِيُّ والفَرَّاءُ: أَصْلُه الْإِلَهُ، حَذَفُوا الهَمْزَةَ وأَدْغَمُوا اللَّامَ الْأُولَى في الثَّانِيَةِ، وعَلَى هَذَا فالصَّحِيحُ أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن أَلِهَ الرَّجُلُ: إِذَا تَعبَّدَ، كَمَا قَرَأَ ابنُ عَبَّاسٍ: {وَيَذَرَكَ وإِلَهَتَكَ} أي: عِبَادَتَكَ وَأَصْلُهُ الْإِلَهُ، أي: المَعْبُودُ، فحُذِفَتِ الهَمْزَةُ الَّتِي هي فَاءُ الكَلِمَةِ فالْتَقَتِ اللَّامُ الَّتِي هي عينُهَا مَعَ اللَّامِ الَّتِي للتَّعْرِيفِ، فأُدْغِمَتْ إِحْدَاهُمَا في الْأُخْرَى، فَصَارَتَا في اللَّفْظِ لَامًا وَاحِدَةً مُشَدَّدَةً وفُخِّمَتْ تَعْظِيمًا، فَقِيلَ: اللَّهُ.
قَالَ ابنُ القَيِّمِ: القَوْلُ الصَّحِيحُ أَنَّ اللَّهَ أصْلُه: الْإِلَهُ كَمَا هو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِهِ إِلَّا مَنْ شَذَّ منهم، وأنَّ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى هو الجَامِعُ لجَمِيعِ مَعَانِي الْأَسْمَاءِ الحُسْنَى والصِّفَاتِ العُلَى. قَالَ: وزَعَمَ السُّهَيْلِيُّ وَشَيْخُهُ أَبُو بَكْرِ بنُ العَرَبِيِّ أَنَّ اسْمَ اللَّهِ غَيْرُ مُشْتَقٍّ؛ لِأَنَّ الْاشْتِقَاقَ يَسْتَلْزِمُ مَادَّةً يُشتَقُّ منها، واسْمُهُ تَعَالَى قَدِيمٌ، والقَدِيمُ لَا مَادَّةَ له، فيَسْتَحِيلُ الاشْتِقَاقُ، وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بالْاشْتِقَاقِ هَذَا المَعْنَى وَأَنَّهُ مُسْتَمَدٌّ مِن أَصْلٍ آخَرَ فهو بَاطِلٌ، ولَكِنَّ الَّذينَ قالُوا بالْاشْتِقَاقِ لَمْ يُرِيدُوا هَذَا المَعْنَى، وَلَا أَلَمَّ بقُلُوبِهِم، وإنَّما أَرَادُوا أنَّهُ دَالٌّ عَلَى صِفَةٍ له تَعَالَى وهي الْإِلَهِيَّةُ كَسَائِرِ أَسْمَائِهِ الحُسْنَى، كالعَلِيمِ، والقَدِيرِ، والغَفُورِ، والرَّحِيمِ، والسَّمِيع، ِ والبَصِيرِ. فَإِنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ مُشْتَقَّةٌ مِن مَصَادِرِها بِلَا رَيْبٍ، وهي قَدِيمَةٌ، والقَدِيمُ لَا مَادَّةَ له، فَمَا كَانَ جَوابَكُم عن هذه الْأَسْمَاءِ فهو جَوَابُ القَائِلِينَ باشْتِقَاقِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى, ثُمَّ الجَوَابُ عن الجَمِيعِ أَنَّا لَا نَعْنِي بالْاشْتِقَاقِ إِلَّا أنَّهَا مُلَاقِيَةٌ لِمَصَادِرِهَا في