فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 399

وكيف لا يُمَيِّزُ مَن له بَصِيرَةٌ بَيْنَ دِينٍ أُسِّسَ على تَقْوَى من اللَّهِ ورضوانٍ، وارْتَفَعَ بِنَاؤُه على طاعَةِ الرَّحْمَنِ، والعَمَلِ بِمَا يَرْضَاهُ في السِّرِّ والْإِعْلَانِ، وبَيْنَ دِينٍ أُسِّسَ على شَفَا جُرُفٍ هَارٍ، فَانْهَارَ بصَاحِبِه في النَّارِ، أُسِّسَ عَلَى عِبَادَةِ الأصنامِ والأوثانِ، والالْتِجَاءِ إلى الصَّالِحِينَ وغَيْرِهم مِن الْإِنْسِ والجَانِّ، عِنْدَ الشَّدَائِدِ والْأَحْزَانِ، وصَرْفِ مُخِّ العبادةِ لغيرِ المَلِكِ الدَّيَّانِ، ورَجَاءِ النَّفْعِ والعَطَاءِ والمَنْعِ مِمَّن لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا فَضْلًا عن غَيْرِه مِن نَوْعِ الْإِنْسَانِ، ودَعْوَى التَّصَرُّفِ في المُلْكِ لِصَالِحِ رَمِيمٍ في التُّرَابِ والْأَكْفَانِ.

-قد عَجَزَ عن دَفْعِ مَا حَلَّ به مِن أَمْرِ اللَّهِ، فَكَيْفَ يَدْفَعُ عَمَّن دَعَاهُ مِن بَعِيدِ الْأَوْطَانِ؟!

-أو فَاسِقٌ يُشَاهِدُونَ فِسْقَه وفُجُورَه فهو أَبْعَدُ النَّاسِ مِن الرَّحْمَنِ؟!

-أو سَاحِرٌ يُرِيهِم مِن سِحْرِه مَا يُحَيِّرُ به الْأَذْهانَ، فَيَظُنُّ المَخْذُولُونَ أَنَّها كَرَامَةٌ مِن اللهِ، وَإِنَّمَا هي مِن مَخَارِيقِ الشَّيْطَانِ.

تبًّا لَهُم سَدُّوا عَلَى أَنْفُسِهم بَابَ العِلْمِ والْإِيمَانِ، وفَتَحُوا عَلَيْهَا بَابَ الجَهْلِ والكُفْرَانِ. قَابَلوا خَبَرَ اللَّهِ بالتَّكْذِيبِ، وأَمْرَه بالعِصْيانِ.

أَخْبَرَ بِأَنَّ الهُدَى والنُّورَ في كِتَابِهِ، فَقَالُوا: كَانَ ذَاكَ فِيمَا مَضَى مِن الزَّمَانِ،

وَأَمَرَهُم باتِّبَاعِ مَا أُنْزِلَ إليهم مِن رَبِّهِم، وَلَا يَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ، فَقَالُوا: لا بُدَّ لَنَا مِن وَلِيٍّ غَيْرِ القُرْآنِ.

إنْ جِئْتَهم بكِتَابِ اللَّهِ قَالُوا: حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ أَهْلَ الزَّمَانِ،

أو جِئْتَهُم بِسُنَّةِ رَسُولِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالُوا: خَالَفَهَا الشَّيْخُ فُلَانٌ، وهو أَعْلَمُ مِنَّا ومنكم، فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْإِيمَانِ.

عَمَدُوا إلى قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ والصَّالِحِينَ، فَبَنَوْا عَلَيْهَا البُنْيَانَ، ونَقَشُوا سُقُوفَهَا والحِيطَانَ، وحَلَّوْها بالغَالِي مِن الْأَثْمَانِ، وأَلْبَسُوهَا أَلْوَانَ السُّتُورِ الحِسَانِ، وَجَعَلُوا لَهَا السَّدَنَةَ والخُدَّامَ، فِعْلَ عُبَّادِ الأوثانِ والصُّلبانِ، وذَبَحُوا وَنَذَرُوا لِمَن فيها، وَقَرَّبُوا لَهُم القُرْبانَ، وقَالُوا: هؤلاء شُفَعَاؤُنَا في كَشْفِ الكُرُوبِ وغُفْرَانِ الذُّنُوبِ ودُخُولِ الجِنَانِ.

فباللَّهِ صِفْ لي شِرْكَ المُشْرِكِينَ، هل هو بِعَيْنِهِ إِلَّا هذا، كَمَا نَطَقَ به القُرْآنُ في سُورَةِ يُونُسَ، والزُّمَرِ، وَغَيْرِهِمَا، مِن مُحْكَمَاتِ الفُرْقَانِ. إِنْ غَرَّكَ أَنَّ الْأَكْثَرَ عَلَيْهِ، فَقَدْ حَكَمَ اللَّهُ بِأَنَّهُم أَضَلُّ سَبِيلًا مِن الْأَنْعَامِ؛ إِذِ اسْتَبْدَلُوا الشِّرْكَ بالتَّوْحيدِ، والضَّلَالَ بالهُدَى، والكُفْرَ بالْإِسْلَامِ نَعُوذُ باللَّهِ مِن مُوجِبَاتِ غَضَبِهِ وأَلِيمِ عِقَابِهِ فهو السَّلَامُ. أو غَرَّكَ أَنَّ بَعْضَ مَن تُعَظِّمُه قَدْ رَأَى شَيْئًا مِن هَذَا أَو قَالَهُ، فالخَطَأُ جَائِزٌ عَلَى مَن سِوَى الرَّسُولِ مِن الْأَنَامِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت