أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنْ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ [سبأ:50] ثُمَّ بعدَ ذَلِكَ يُحِيلُهَا عَلَى قَوْلِ فُلَانٍ وفُلَانٍ.
وقَالَ تعَالَى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوه وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر:7] .
والْآيَاتُ في هَذَا المَعْنَى كَثِيرَةٌ، فَوَجَبَ عَلَى كُلِّ مَن عَقَلَ عن اللَّهِ أَنْ يَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ ويَقِينٍ في دِينِهِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ} [يوسف:108] .
ومُحَالٌ أَنْ يَحْصُلَ اليَقِينُ والبَصِيرَةُ إِلَّا مِن كِتَابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكيفَ يَنَالُ الهُدَى والْإِيمَانَ مَنْ زَعَمَ أنَّ ذلك لَا يَحْصُلُ مِن القُرْآنِ إنَّما يَحْصُلُ مِن الْآرَاءِ الفَاسِدَةِ التي هي زُبَالَةُ الْأَذْهَانِ. تَاللَّهِ لَقَدْ مُسِخَتْ عُقُولٌ هذا غايةُ ما عِنْدَها مِن التَّحْقِيقِ والعِرْفانِ.
وهَذِه المُتَابَعَةُ لكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هي حَقِيقَةُ دِينِ الْإِسْلَامِ، الذي افْتَرَضَهُ اللَّهُ عَلَى الخَاصِّ والعَامِّ، وهو حَقِيقَةُ الشَّهَادَتَيْنِ الفَارِقَتَيْنِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكُفَّارِ، والسُّعَداءِ أَهْلِ الجَنَّةِ والْأَشْقِيَاءِ أَهْلِ النَّارِ، إذ مَعْنَى الْإِلَهِ: هو المَعْبُودُ المُطَاعُ، وذلك هو دِينُ اللَّهِ الذي ارْتَضَاهُ لنَفْسِهِ ومَلَائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وأَنْبِيَائِهِ فَبِهِ اهْتَدَى المُهْتَدُونَ وإِلَيْهَ دَعَا المُرْسَلُونَ. {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:25] . {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُون وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فَي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [آل عمران:83] فَلَا يُتَقَبَّلُ مِن أَحَدٍ دينًا سِوَاهُ مِن الْأَوَّلِينَ والْآخِرِينَ.
كما قال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ} [آل عمران:85] .
شَهِدَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ دِينُهُ قَبْلَ شَهَادَةِ المَخْلُوقِينَ، وأَنْزَلَهَا تُتْلَى في كِتَابِهِ إلى يَوْمِ الدِّينِ.
فَقَالَ تَعَالَى وهو العَزِيزُ العَلِيمُ: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالمَلَائِكَةُ وَأُولُوا العِلْمِ قَائِمًا بِالقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} [آل عمران:18] .
جَعَلَ أَهْلَهُ هُمُ الشُّهَداءَ عَلَى النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ، لِمَا فَضَّلَهُم به مِن الأقوالِ، والأعمالِ، والاعْتِقَادَاتِ التي تُوجِبُ إِكْرَامَهُ.
فَقَالَ تَعَالَى وَلَمْ يَزَلْ عَزِيزًا حَمِيدًا: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة:143] .
وفَضْلُه عَلَى سَائِرِ الْأَدْيانِ، فهو أَحْسَنُهَا حُكْمًا، وأَقْوَمُهَا قِيلًا.
فَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًَا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء:125] .