الصفحة 5 من 32

الأبيُّ: الذي يأبى الدَّنايا، ولا يقبلُ الضَّيْمَ، فِعْلُهُ أَبَى بالكسرِ إباءً بالكسرِ أيضًا. والباسلُ هنا: الأسدُ، أو الذي بَسَلَ بُسُولًا، عبَسَ غَضَبًا أوْ شجاعةً، فهوَ أيضًا بَسِلٌ وبسيلٌ. وعَرَضَتْ: ظَهَرَتْ. والطَّرَائِدُ جمعُ طريدةٍ، بمعنى مطرودةٍ، وهيَ (3/ أ) من الإبلِ ما يُزْعَجُ منْ مَحَلِّهِ في الغاراتِ.

والمعنى: وكلُّ واحدٍ ممَّا ذكَرْتُهُ من الأهلينَ حَمِيُّ الأنفِ لا يُضَامُ، شديدُ الشَّكِيمَةِ لا يُرَامُ بِهَوَانٍ، غيرَ أنَّنِي أشدُّ إباءً لذلكَ منها، إذا ظَهَرَت الأولى من الإبلِ التي شُلَّتْ في الغارةِ، وتَبِعَهَا أربابُها لاستنقاذِها وهمْ أَحْرَدُ شيءٍ إذْ ذاكَ، وأشدُّ حنَقًا، يكادونَ يتمَيَّزُونَ من الغيظِ علينا، فنَاهِيكَ بقتالِهِم وبشجاعةِ مَنْ يجُولُ في مجَالِهِم، ولا يكترثُ بنِزَالِهِم، ثمَّ قالَ:

8 -وإنْ مُدَّت الأيدِي إلى الزادِ لمْ أكُنْ ... بأعجَلِهِم إذْ أجشعُ القومِ أعْجَلُ

الأجشعُ، بتقديمِ الجيمِ على الشينِ: الأكثرُ جَشَعًا، بالتحريكِ، وهوَ أشدُّ الحِرْصِ وأسَوَءُهُ، وأنْ يأخذَ الإنسانُ نصيبَهُ وعيْنُهُ في نصيبِ غيْرِهِ.

يقولُ: إذا اجتمعَ الناسُ على زَادِهِم، ومدُّوا أيدِيَهُم لتناوُلِهِ، لمْ أكُنْ أنا أكثرَهم عَجَلًا إليهِ بأنْ أَسْبِقَهُم إلى ذلكَ جميعَهُم، أمَّا سَبْقُ بعْضِهِم فقطْ، كما إذا كانَ سبقُ بعضِ الآكلينَ الجميعَ فَتَلاهُ بعْضُهم على الفورِ قبْلَ غيْرِهِ، فإنَّ ذلكَ قدْ لا يكونُ عَيْبًا، بلْ رُبَّمَا كانَ منْ مكارمِ الأخلاقِ، لِمَا فيهِ منْ رفعِ الحشمةِ عن السابقِ بما يُنَاسِبُهُ بذلكَ، ولذلكَ نفى عنهُ الأعجلِيَّةَ دونَ مُطْلَقِ العَجَلِ، فإنَّهُ لا يكونُ من الزَّلَلِ، ولا يُعَدُّ صاحِبُهُ مُخْطِئًا، فيُدْعَى على أُمِّهِ بالهَبَلِ.

ويدلُّ لِمَا قلناهُ قولُهُ: إذْ أجشعُ القومِ أعْجَلُ، أيْ: أشدُّ القومِ حِرْصًا على الطعامِ لشِدَّةِ نَهَمِهِ أشدُّهُم عَجَلًا إلى مدِّ اليدِ إلى الزادِ.

ووجهُ الدلالةِ منهُ أنَّهُ عَلَّلَ نفيَ كونِهِ أعجلَ بأنَّ سببَهُ شدَّةُ الجشعِ في الخارجِ، فيستدلُّ بالأعجلِيَّةِ على الجشعِ فيُذَمُّ بذلكَ مِنْ حيثُ إنَّهُ عُنوانٌ على شدَّةِ النَّهَمِ، فالذمُّ في الحقيقةِ إنَّما هوَ بالجشعِ، أمَّا إذا كانَ سببُ العجلةِ ما قُلْنَا فلا ذمَّ، واللَّهُ أعلمُ سُبْحَانَهُ. ثمَّ قالَ:

9 -وما ذاكَ إلاَّ بَسْطَةٌ عنْ تفضُّلٍ عليهم وكانَ الأفضلَ المُتَفَضِّلُ

البسطةُ هنا: السماحةُ والسَّعَةُ في الكرمِ، والتَّفَضُّلُ كالإِفْضَالِ: الإحسانُ، يُقَالُ: أَفْضَلَ علينا وتَفَضَّلَ.

والمعنى: وليسَ انقباضُ يدِي عنْ تناولِ الزادِ قبْلَهُم لعِلَّةٍ سِوَى (3/ب) سماحةٍ ناشئةٍ عنْ إحسانٍ إليهم، أوْ سِوَى سَعَةٍ في إحسانٍ إليهم.

فَـ (عَنْ) بمعنى (في) على هذا التقديرِ الأخيرِ، وكانَ المُتَفَضِّلُ، أي: المحسنُ، الأفضلَ بالنَّصْبِ على أنَّهُ خبرُ (كانَ) مُقَدَّمًا على اسْمِهَا. وجملةُ (وكانَ الأفضلَ ... إلخ) أكَّدَتْ ما أفهَمَتْهُ التي قبْلَها بمعونةِ المقامِ مِنْ كونِ المُتَفَضِّلِ أكثرَ فَضْلًا منْ غيْرِهِ، وهذا يُسَمَّى تَذْيِيلًا، وقدْ تكونُ الجملةُ المُذَيَّلَةُ مُؤَكِّدَةً لمنطوقِ ما قَبْلَهَا، وهيَ على كلِّ حالٍ لا محلَّ لها من الإعرابِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت