ومن الناسِ مَنْ يُسَمِّي مثلَ هذهِ الجملةِ اعتراضًا، وإنْ كانَ في آخرِ الكلامِ؛ بِنَاءً على أنَّهُ عندَهُ لا يختصُّ بأثناءِ الكلامِ الواحدِ، أوْ ما في معناهُ من الكلامَيْنِ المُتَّصِلَيْنِ معنًى، ولا مُشَاحَّةَ في الاصطلاحِ. ونُكْتَةُ هذا التذييلِ أو الاعتراضِ الحثُّ على التفضُّلِ.
10 -وإنِّي كفَانِي فَقْدَ مَنْ ليسَ جازيًا ... بحُسْنَى ولا في قُرْبِهِ مُتَعَلَّلُ
كَفَانِي كذا: أيْ أحسَبَنِي ووجدتُ فيهِ الكفايَةَ. والحُسْنَى: ضدُّ السَّوْأَى، والمُتَعَلَّلُ: موضعُ التعَلُّلِ، أي: التلهِّي والتجزِّي.
يقولُ: لا أُبالي بفقدِ الشخصِ الذي ليسَ مُكافئًا على الفِعلةِ الحسنى وليسَ في قُرْبهِ - أي: القُرْبِ منهُ - ما يتعَلَّلُ بهِ مَنْ قَرُبَ منهُ، أيْ: لا خيرَ فيهِ فتتلَهَّى بهِ نفسُ مَنْ قرُبَ، وتتكلَّفُ الاجتزاءَ بهِ لقِلَّتِهِ، فقدْ كفاني فَقْدَ هذا المذكورِ، أيْ: خوفُ فقْدِهِ.
11 -ثلاثةٌ أصحابٌ: فؤادٌ مُشَيَّعٌ وأبيضُ إِصْلِيتٌ وصفراءُ عَيْطَلُ
ومَنْ لا يُخَافُ فقْدُهُ لأجلِ وجودِ هذهِ الثلاثةِ، يكونُ وجودُهُ مساويًا لعدَمِهِ، منْ أجلِ عدمِ الانتفاعِ بهِ. والفؤادُ المُشَيَّعُ، بضمِّ الميمِ وفتحِ الشينِ المعجمةِ والياءِ المُشدَّدةِ: الشجاعُ الجريءُ، كأنَّهُ شُيِّعَ بغيْرِهِ، أوْ بقُوَّةٍ أودعَها اللَّهُ فيهِ. والأبيضُ الإِصْلِيتُ بكسرِ الهمزةِ: السيفُ الصَّقِيلُ الماضي، وفي معناهُ: الصَّلْتُ والمُنْصَلِتُ. والصفراءُ العَيْطَلُ، بالعينِ المهملةِ: القوسُ الطويلةُ.
فـ (فُؤَادٌ) وما عُطِفَ عليهِ تفصيلٌ لإجمالِ (ثلاثةُ أصحابٍ) : فؤادٌ قويٌّ، وسيفٌ صقيلٌ ماضٍ، وقوسٌ صفراءُ طويلةٌ، ولعلَّهَا أجودُ القِسِيِّ عُودًا وأبعَدَهَا مرْمًى.
ثمَّ وصفَ القوسَ بما يدلُّ على جودَتِهَا فقالَ:
12 -هَتُوفٌ من المُلْسِ المُتُونِ يَزِينُها رَصَائِعُ قدْ نِيطَتْ عليها ومِحْمَلُ
13 -إذا زالَ عنها السهمُ حَنَّتْ كأنَّها مُرَزَّأَةٌ عَجْلَى تَرِنُّ وتُعْوِلُ
الهَتوفُ من القِسِيِّ: المُصَوِّتَةُ بكثرةٍ، ومِثْلُهُ الهَتَّافَةُ والهَتَفَى كالجَمَزَى في التحريكةِ. والمُتُونُ: الظهورُ، واحدُها مَتْنٌ. والرَّصَائِعُ جمعُ رصِيعَةٍ، وهيَ: كلُّ حلقةٍ مستديرةٍ، فلَعَلَّ القِسِيَّ العرَبِيَّةَ كانتْ تُزَيَّنُ بالحَلَقِ المستديرةِ.
ومن الناسِ مَنْ فسَّرَ الرصائعَ هنا بسُيورٍ مضفورةٍ، وليسَ ذلكَ في القاموسِ، ولا خيرَ فيما لا يوجدُ فيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ. والمِحْمَلُ: العِلاقَةُ.
وحنينُ القَوْسِ: تَصْوِيَتُها. والمُرَزَّأَةُ: الكثيرةُ الرَّزَايَا، أي: المصائبِ، والرنينُ: التصويتُ، رنَّت القوسُ تَرِنُّ. وعَجْلَى صفةُ مُرَزَّأَةٍ، فهيَ بمعنى عَجُولٍ بفتحِ العينِ، وهيَ: الوَالِهُ من النساءِ لفَقْدِ وَلَدِهَا، والإِعْوَالُ رفعُ الصوتِ بالبُكَاءِ، وجملةُ تَرِنُّ في موضعِ نصبٍ على الحالِ منْ (مُرَزَّأَةٍ) .