الصفحة 4 من 32

يقولُ: لحَيَاتِكَ قَسَمِي ما في الأرضِ منْ ضيقٍ على امرئٍ سَرَى، أيْ: سارَ ليلًا في حالةِ كونِهِ راغبًا في العزِّ مثلًا، أوْ راهبًا منْ عُقْبَى العداوةِ، وهوَ يعقلُ، أيْ: يُمَيِّزُ ما رَغِبَ فيهِ، وما رهِبَ منهُ، فحيْثُما وجدَ المرغوبَ فيهِ أقامَ، فتَتَّسِعُ عليهِ الأرضُ بوجدانِ الراحةِ بإدرَاكِهِ، وحيْثُما وجدَ المرهوبَ منهُ رحلَ فتَتَّسِعُ عليهِ الأرضُ بالخلاصِ منهُ. وهذا معنى ضيقِ الأرضِ وسَعَتِهَا، فمرجعُهُ في الحقيقةِ إلى انقباضِ النفوسِ وانشراحِها بحَسَبِ إدراكِها المُلائِمَ وغيْرَهُ كما أفصحَ بهِ مَنْ قالَ: [الطويل]

لعمْرُكَ ما ضاقتْ بلادٌ بأهلِها ولكنْ أخلاقُ الرجالِ تضيقُ

5 -ولي دُونَكُم أهلونَ سِيدٌ عَمَلَّسٌ وأرْقَطُ زُهْلُولٌ وعَرْفَاءُ جَيْأَلُ

(2/ب) الأهلونَ: جمعُ أَهْلٍ، وأهلُ الرجلِ: عشيرتُهُ وذَوُو قُرْبَاهُ، وهوَ هنا استعارةٌ لما ذكَرَهُ من السِّيدِ - بالكسرِ - وهوَ منْ أسماءِ الذئبِ.

والعَمَلَّسُ، بفتحِ العينِ المهملةِ والميمِ واللامِ المشدَّدَةِ: الخبيثُ من الذئابِ. والأرقطُ: النَّمِرُ، سُمِّيَ بذلكَ لرقْطَتِهِ، وهيَ سوادٌ مشوبٌ بنُقَطٍ بيضٍ. والزُّهْلُولُ، بزِنَةِ عُرْجُونٍ: الأملسُ. والعرفاءُ هنا: الضَّبُعُ، سُمِّيَتْ بذلكَ؛ لأنَّ لها عُرْفًا, بضمِّ العينِ، أيْ: شَعْرًا في عُنُقِهَا. وجَيْأَلُ: منْ أسماءِ الضبعِ، فهوَ بدلٌ منْ عرفاءُ، وهوَ على وزنِ فَيْعَلٍ، ومعرفةٌ بلا ألفٍ ولا لامٍ، قالَهُ في الصِّحَاحِ. ومعنى البيتِ: وَلِي دونَكُم يا بني أُمِّي أهلونَ، أيْ: مُؤَالِفُونَ منْ وحوشِ القِفارِ والمَفَاوِزِ، وهمْ ذئبٌ خبيثٌ ونَمِرٌ أملسُ، وضبعٌ ذاتُ عُرْفٍ.

والمقصودُ أنَّهُ اعتادَ السفرَ، وتكَرَّرَ منهُ قطعُ المَهَامِهِ، حتَّى ألِفَتْهُ وحوشُها فصارتْ لهُ بمثابةِ الأَهْلِ، أيْ: فلا يَؤُدُّنِي الرحيلُ، ولا يشقُّ عليَّ السيرُ.

6 -هم الرهطُ لا مُسْتَوْدَعُ السرِّ شائعٌ لدَيْهِم ولا الجاني بما جرَّ يُخْذَلُ

الرهطُ: في معنى الأهْلِ. والسرُّ المُستودَعُ: الذي أُودِعَ، أيْ: جعل وديعةً عندَ الشخصِ، بمعنى أنَّ مَنْ أُلْقِيَ إليهِ يُطْلَبُ منهُ كِتْمَانُهُ.

يقولُ: هُمْ - أيْ: ما ذَكَرَ من الوحشِ - الرهطُ لا غيْرُهم، بمعنى أنَّهُم أحقُّ باسمِ الأهلِ والرهطِ من الناسِ؛ فإنَّ مَن استودَعَهُم سرًّا كتمُوهُ فلمْ يُفْشَ عندَهُم، وَمَنْ جنَى جنايَةً على أحدٍ لمْ يُسْلِمُوهُ إليهِ بجريرتِهِ، فيكونُ ذلكَ خِذلانًا منهم لهُ، فأينَ همْ من المُسَمَّيْنَ بالأهلِ، الذينَ يشيعُ لديهم مُستودعُ السرِّ، ويَخْذُلونَ الجانيَ بما جرَّ، فيُسلمونَهُ إلى المجنيِّ عليهِ.

7 -وكُلٌّ أبيٌّ باسلٌ غيرَ أنَّنِي إذا عَرَضَتْ أُولى الطرائدِ أَبْسَلُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت