يَتعلَّقُ بأحكامِ الترِكَاتِ والمواريثِ، وحكمُه فرْضُ كفايةٍ إذا قامَ به البعضُ سقَطَ الإثمُ عن الباقين. والأحاديثُ في فضْلِ تَعلُّمِه كثيرةٌ، وقد سَمَّيْتُ كتابي: (الهديَّةُ في شرْحِ الرحْبِيَّةِ) نسألُ اللهَ الإعانةَ والقَبولَ إنه وليُّ ذلك والقادرُ عليه.
قالَ الناظمُ - رحِمَه اللهُ تعالى: -
أَوَّلُ مَا نَسْتَفْتِحُ الْمَقَالَا ... بِذِكْرِ حَمْدِ رَبِّنا تَعالى
فَالْحَمْدُ للهِ عَلَى ما أَنْعَمَا ... حَمْدًا بِهِ يَجْلو عَنِ القَلْبِ العَمَى
ثُمَّ الصَّلاةُ بَعْدُ والسَّلامُ ... عَلى نَبِيٍّ دينُهُ الإِسْلامُ
مُحَمَّدٍ خَاتَمِ رُسْلِ رَبِّهِ ... وَآلِهِ مِنْ بَعْدِهِ وَصَحْبِهِ
أقولُ: بَدأَ بحمدِ للهِ تَأسِّيًا بالكتابِ العزيزِ، ثم الصلاةِ على رسولِه لقولِه - تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} وقالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ عَشْرًا) . ويَجوزُ في محمَّدٍ الجرُّ على أنه بدَلٌ من نَبِيٍّ، والرفْعُ على أنه خبرٌ لمبتدَأٍ محذوفٍ، أي: هو محمَّدٌ، ثم قالَ:
ونَسأَلُ اللهَ لَنا الإِعانَهْ ... فِيما تَوَخَّيْنا مِنَ الإِبانَهْ
عَن مَذْهَبِ الإِمامِ زَيْدِ الفَرَضِيْ ... إِذْ كانَ ذاكَ مِنْ أَهَمِّ الغَرَضِ
قولُه: الإمامُ: هو الذي يُقتَدَى به في أقوالِه، وزيدٌ هو ابنُ ثابتِ بنِ الضحَّاكِ، الصحابيُّ الأنصاريُّ من بني النجَّارِ، من أكابِرِ الصحابةِ - رضِيَ اللهُ عنه وعنهم -، والفرَضِيُّ: العالِم بالفرائِضِ، ثم قالَ:
عِلْمًا بِأَنَّ العِلْمَ خَيْرُ ما سُعِيْ ... فيهِ وَأَوْلَى مَالَهُ العَبْدُ دُعِيْ
وَأَنَّ هَذا العِلْمَ مَخْصوصٌ بِما ... قَدْ شاعَ فيهِ عِندَ كُلِّ العُلَمَا
بِأَنَّهُ أوَّلُ عِلْمٍ يُفْقَدُ ... فِي الأرْضِ حَتَّى لا يَكادُ يُوجَدُ
أقولُ: وفضْلُ العلْمِ وخِيرتُه أشهَرُ من أن يُذكَرَ، قالَ الشافعيُّ وغيرُه: طلَبُ العلْمِ أفضَلُ من صلاةِ النافلةِ، وليس بعدَ الفريضةِ أفضلُ من طلَبِ العلْمِ، ففي الصحيحين من روايةِ ابنِ مسعودٍ رضِيَ اللهُ عنه مرفوعًا: (لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْخَيْرِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا النَّاسَ) .
والأحاديثُ في ذلك كثيرةٌ.
ثم قالَ:
وأنَّ زَيْدًا خُصَّ لا مَحالَهْ ... بَما حَبَاهُ خاتَمُ الرِّسَالَهْ
مِنْ قَوْلِهِ فِي فَضْلِهِ مُنَبِّهَا ... (( أَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ ) )وَنَاهِيكَ بِها
فَكانَ أَوْلَى باتِّباعِ التَّابِعِيْ ... لا سِيَّما وَقدْ نَحَاهُ الشَّافِعِي
أقولُ: ولعلْمِنا بأن هذا العلْمَ وهو علْمُ الفرائضِ، مخصوصٌ بأنه أوَّلُ علْمٍ يُفقَدُ في الأرضِ، ولعلْمِنا بأن زيدًا خُصَّ من بينِ الصحابةِ - رضِيَ اللهُ عنهم - بما نَبَّهَنا عليه النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من فضيلتِه وعلْمِه، وأنه أمثلُ من غيرِه في علْمِ الفرائضِ، من قولِه: (أَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ) ، لا سيَّما وقد نَحاه الشافعيُّ، أي: مالَ إلى قولِه، موافَقةً له في الاجتهادِ، ثم قالَ:
فهاكَ فيه القولُ عن إيجازِ ... مُبرَّأً عن وَصْمَةِ الألغازِ