هو الشيخُ الفقيهُ الفَرَضِيُّ الْمُعَمَّرُ العلَّامَةُ القاضي أبو أحمدَ رشيدُ بنُ محمَّدِ بنِ سليمانَ بنِ أحمدَ بنِ عبدِ الرحمنِ القَيْسِيِّ الفَرَضِيُّ الشافعيُّ ثم الحنبليُّ من قبيلةِ قَيْسِ بنِ عَيْلانَ العَدنانيَّةِ. وُلِدَ في ضباءَ من البلادِ السعوديَّةِ عام 1316 هـ تقريبًا في أواخرِ العهْدِ العثمانيِّ أمَدَّ اللهُ في عُمْرِه بالعملِ الصالحِ وخَتَمَ له بالخاتِمةِ الحسَنَةِ آمِينَ.
نَشأَ في بيتِ علْمٍ وصَلاحٍ وتَقْوى فوالدُه العلَّامَةُ الشيخُ محمَّدُ بنُ سليمانَ القَيْسِيُّ المشهورُ بأبي رشيدٍ وهو مؤسِّسُ ومديرُ أوَّلِ مدرسةٍ في ضباءَ في نهايةِ العهْدِ العثمانيِّ، والذي استمَرَّ مُدِيرًا لها حتى عهْدِ الدولةِ السعوديَّةِ، ثم أسَّسَ مدرسةَ القرياتِ في مدينةِ القريات، وعَمِلَ مديرًا لها لمدَّةِ ستِّ سنواتٍ، ثم انتقلَ لضباءَ.
تلَقَّى شيخُنا تعليمَه بمدرسةِ ضباءَ، ثم جَدَّ في تحصيلِ العلومِ على يدِ والدِه الذي يُعتبَرُ الشيخَ الأوَّلَ له، فلقد استفادَ منه كثيرًا حيثُ قرأَ عليه القرآنَ الكريمَ، ورياضَ الصالحين للنوويِّ والترغيبَ والترهيبَ للمُنذرِيِّ، وزادَ الْمَعادِ، وإعلامَ الموقِّعِين لابنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، وشرْحَ سِبْطِ الماردينيِّ للرحْبِيَّةِ مع حاشيةِ البقريِّ، وكذلك الفوائدَ الشنشوريَّةَ في شرْحِ الرحْبِيَّةِ، وقرأ عليه أيضًا نُزهَةَ النظَرِ في شرْحِ نُخبَةِ الفكْرِ في مُصطَلَحِ الحديثِ.
واعْتَنَى بحفْظِ بعضِ الْمُتونِ مثلِ الرحْبِيَّةِ، والآجُروميَّةِ، وبعضِ الألفيَّةِ، ولُمْعَةِ الاعتقادِ لابنِ قُدامَةَ، وكشْفِ الشُّبُهَاتِ، والأصولِ الثلاثةِ وغيرِها.
ولقد برَزَ شيخُنا كثيرًا في علْمِ الفرائضِ وأصْبَحَ من الْمُتقِنِين له حتى أصبَحَ المرجِعَ لطُلابِ العلْمِ في مِنطَقَتِه من قضاةٍ ونحوِهم، وساعَدَه في ذلك أنه فقيهٌ مُجيدٌ على اطِّلاعٍ واسعٍ بكُتُبِ المذاهبِ الفقهيَّةِ، ولقد استفادَ كثيرًا من شيخِه العلَّامَةِ عليِّ بنِ أحمدَ البنَّا الضباويِّ الشافعيِّ الفَرَضِيِّ المتوفَّى سنةَ 1350 هـ في ضباءَ، واشتُهِرَ بلقبِ (البنَّا) وذلك أن والدَه كان بنَّاءً في بلدةِ ضباءَ. وقد كان آيةً في هذا العلْمِ مع ما كان عليه من تواضُعٍ وزهْدٍ وعدَمِ حبِّ الظهورِ، وكان يَشتغَلُ بمهنَةِ الزراعةِ. وله دَرْسٌ عامٌّ في الجامعِ الكبيرِ في الفِقهِ والحديثِ، أما درْسُ الفرائضِ فقد كان يَخُصُّ به تلميذَه رشيدًا، وقد قرأ عليه الرحْبِيَّةَ والفوائدَ الشنشوريَّةَ وشرْحَ سِبْطِ الماردينيِّ مع حاشيةِ البقريِّ وكَرَّرَ ذلك كثيرًا وكان الشيخُ البنَّا يُكثِرُ على تلميذِه رشيدٍ طرْحَ المسائلِ الفَرَضِيَّةِ والألغازِ، مما كان له أكبرُ الأثرِ في تمكُّنِ شيخِنا من هذا العلْمِ واستفادتِه الكبيرةِ كما حدَّثَني بذلك.
ومن شيوخِه العلَّامَةُ قاضي ضباءَ محمَّدُ بنُ عبدِ الوهَّابِ بنِ عَقِيلٍ المتوفَّى سنة 1361 هـ فقد لازَمَه وقرأ عليه كُتبًا كثيرةً منها تفسيرُ ابنُ كثيرٍ وتفسيرُ البَغَوِيِّ، وتفسيرُ الجلالَيْن، والترغيبُ والترهيبُ، ورياضُ الصالحين، والفرائضُ، ومجموعةُ التوحيدِ النجديَّةِ، وكتابُ التوحيدِ، ولُمْعَةُ الاعتقادُ، والأصولُ الثلاثةُ، وكشْفُ الشُّبُهَاتِ، والمغني والشرْحُ الكبيرُ.
ومن شيوخِه الذين استفادَ منهم ولازَمَهم زمنًا وتأثَّرَ بهم حقيقةً العلَّامَةُ القاضي الشيخُ ناصرُ بنُ محمَّدٍ الوهيبيُّ قاضي ضباءَ آنذاك، الذي كان يُلازمُه ولا يكادُ يُفارقُه فقرأَ عليه في كتُبٍ مختلِفةٍ منها: الرَّوْضُ الْمُرْبِعُ، وعُمدةُ الفقهِ، والمقْنِعُ، ودليلُ الطالبِ، وعمدةُ الأحكامِ، وبلوغُ الْمَرامِ، وجامعُ العلومِ والحِكَمِ، والترغيبُ والترهيبُ، وتفسيرُ ابنِ كثيرٍ، وتفسيرُ البَغَوِيِّ، وتفسيرُ الطبريِّ، وزادُ الْمَعادِ، وإعلامُ الموقِّعِين، ومدارجُ السالكين لابنِ القيِّمِ، والبدايةُ والنهايةُ، ومقاماتُ الحريريِّ، والطحاويَّةُ وغيرُها، وكان الشيخُ الوهيبيُّ يَمتلِكُ مكتبةً كبيرةً مليئةً بالكُتبِ المفيدةِ والمصنَّفاتِ العديدةِ فاستفادَ شيخُنا من تلك الكُتبِ فلازَمَ شيخَه وقَرأَ عليه إلى أن انتقَلَ العلَّامَةُ الوهيبيُّ بعدَها إلى تبوكٍ ثم أمْلَجَ ثم يَنْبُعَ ثم نُقِلَ للطائفِ، وبعدَها نُقِلَ لهيئةِ التمييزِ، إلى أن صارَ وكيلَ رئيسِ ديوانِ المظالمِ وتُوفِّيَ سنةَ 1382 هـ رحِمَه اللهُ.
وإلى جانبِ ذلك فقد كان شيخُنا شغوفًا بالكُتُبِ مُحِبًّا للقراءةِ وكوَّنَ مكتبةً جيِّدةً لكن لكثرةِ تَنَقُّلاتِه لم يَبْقَ منها إلا القليلُ، وقد قرأ صحيحَ البخاريِّ ومسلِمٍ وسُننَ النَّسائيِّ والتِّرْمِذِيِّ وابنِ ماجَهْ وبعضَ مسْنَدِ الإمامِ أحمدَ، وفَتَاوَى ابنِ تَيْمِيَّةَ وغيرَها.