أقولُ: أركانُ المُشرَّكَةِ: زوجٌ، وأمٌّ أو جَدَّةٌ فأكثرُ، وإخوةٌ لأمٍّ، وإخوةٌ أشقَّاءُ ذكورٌ مَحْضٌ، أو ذكورٌ وإناثٌ، وأقلُّهم ذَكَرٌ واحدٌ، أو ذَكَرٌ وأنثى لا إناثٌ فقط ولا إخوةٌ لأبٍ.
وسُمِّيَتْ هذه المسألةُ بالمُشرَّكَةِ؛ لقولِ بعضِ أهلِ العلْمِ بتشريكِ الإخوةِ الأشقَّاءِ مع الإخوةِ لأمٍّ في الثلُثِ، وتُسَمَّى أيضًا بالحِماريَّةِ واليَمِّيَّةِ. وهذا عندَ الشافعيِّ ومالكٍ - رَحِمَهما اللهُ - بتشريكِ الإخوةِ الأشقَّاءِ مع الأخوةِ لأمٍّ في الثلُثِ، ويكونُ بينَهم على عددِ رءُوسِهم، ويُرْوَى هذا القولُ عن عثمانَ، وعن زيدِ بنِ ثابتٍ رضِيَ اللهُ عنهما، وبه قَضَى عُمَرُ آخِرًا.
وأما عندَ الإمامِ أحمدَ وأبي حنيفةَ - رَحِمَهما اللهُ - فأصلُها من ستَّةٍ، للزوْجِ النصْفُ (ثلاثةٌ) ، وللأمِّ أو الجَدَّةِ السدُسُ (واحدٌ) ، وللإخوةِ لأمٍّ الثلُثُ (اثنان) ، ولا شيءَ للإخوةِ الأشقَّاءِ لاستغراقِ الفروضِ، ويُرْوَى هذا القولُ عن عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وأُبَيِّ بنِ كعْبٍ، وابنِ عبَّاسٍ، وأبي موسى - رضِيَ اللهُ تعالى عنهم -، وقَضَى به عُمَرُ رضي اللهُ عنه أوَّلًا. وهذا هو القولُ الراجِحُ.
(بابُ الجَدِّ والإخوةِ)
ونَبْتَدِي الآنَ بِما أَرَدْنَا فِي الجَدِّ والإِخْوةِ إذْ وَعَدْنَا
فألْقِ نحْوَ ما أَقُولُ السَّمْعَا واجْمَعْ حَوَاشِي الكَلِمَاتِ جَمْعَا
واعْلَمْ بأنَّ الْجَدَّ ذو أَحْوالِ أُنْبِيكَ عَنْهُنَّ عَلَى التَّوَالِي
يُقاسِمُ الإخْوَةَ فِيهِنَّ إِذا لَمْ يَعُدِ الْقَسْمُ عَلَيْهِ بالأَذَى
فتارةً يَأْخُذُ ثُلْثًا كامِلًا إنْ كانَ بِالقِسْمَةِ عَنْهُ نَازِلًا
إنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ ذو سِهَامِ فاقْنَعْ بِإيضاحِي عَنِ اسْتِفْهامِ
أقولُ: المرادُ بالجَدِّ أبو الأبِ وإن علا بمَحْضِ الذكورِ، وبالإخوةِ الإخوةُ الأشقَّاءُ والإخوةُ لأبٍ.
فائدةٌ: أصحابُ الفروضِ الذين يُمكِنُ اجتماعُهم مع الجَدِّ والإخوةِ سِتَّةٌ وهم: الزوجُ أو الزوجةُ والأمُّ أو الجَدَّةُ والبنتُ وبنتُ الابنِ.
اعلَمْ أن هذه المسألةَ فيها قولان للسلَفِ - رَحِمَهم اللهُ تعالى:
أحدُهما: توريثُ الإخوةِ مع الجَدِّ، وهو قولُ عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وزيدِ بنِ ثابتٍ - رضِيَ اللهُ عنهم - على اختلافٍ بينَهم في كيفيَّةِ التوريثِ، وهو مذْهَبُ مالكٍ والشافعيِّ -رَحِمَهما اللهُ تعالى- والمشهورُ عن الإمامِ أحمدَ-رحِمَه اللهُ-.
الثاني: جعْلُه أَبًا فيُسْقِطُ جميعَ الإخوةِ، وهو القولُ الراجحُ، وهو قولُ بِضعةَ عشَرَ من الصحابةِ- رضِيَ اللهُ تعالى عنهم - منهم أبو بكرٍ الصدِّيقُ، وابنتُه عائشةُ أمُّ المؤمنين، وابنُ عبَّاسٍ، وجابرٌ، وأبو موسى، وعِمرانُ بنُ حُصَيْنٍ- رضِيَ اللهُ تعالى عنهم - وذَهَبَ إليه جماعةٌ من التابعين، وهو قولُ أبي حنيفةَ، وإسحاقَ، وداودَ، والْمُزَنِيِّ، وابنِ شَرِيحٍ، وابنِ المنذِرِ، وهو روايةٌ عن الإمامِ أحمدَ، وأَخَذَ به شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيْمِيَّةَ، وتلميذُه ابنُ القيِّمِ، والشيخُ المجَدِّدُ محمَّدُ بنُ عبدِ الوهَّابِ - رحِمَهُم اللهُ تعالى -.
إذا تَقرَّرَ هذا فعلى القولِ الأوَّلِ: إذا اجتَمَعَ الجَدُّ والإخوةُ فلا يَخلو: إما أن يكونَ معهم صاحبُ فرْضٍ أو لا، فإن لم يكن معهم صاحبُ فرْضٍ فله معهم ثلاثُ حالاتٍ، ويُخَيَّرُ في شيئين: ثلُثُ المالِ، والمقاسَمَةُ، فيُعْطَى الأحظَّ منهما.
فالحالةُ الأُولى: أن تكونَ المقاسَمَةُ أحظَّ له من ثلُثِ المالِ.
وضابطُها: أن يكونَ الإخوةُ أقلَّ من مِثْلَيْهِ.
مثالُ ذلك: هَلَكَ هالِكٌ عن جَدٍّ وأخٍ شقيقٍ أو لأبٍ، فللجَدِّ النِّصْفُ، وللأخِ الشقيقِ أو لأبٍ النصفُ.