هذا قد روى عبدُ القادرِ الرَّهَاويُّ في الأربعينَ بأسانيدَ عن أربعينَ صحابيًّا أنَّهُ عليه السلامُ كانَ يأتي بها في خطبِه وكتبِه، قالَ ابنُ المصنِّفِ: وتقديرُ المضافِ إليه محذوفٌ في هذا البيتِ، وفيه أنَّ التقديرَ مُغْنٍ عن المحذوفِ، وكذا عكسُه والراويَةُ بضمِّ الدالِ وإنْ أجازَ هشامٌ فتحَها لكنْ أَنْكَرَه النَّحَّاسُ، وأمَّا تجويزُ الفَرَّاءِ رفعَه مُنَوَّنًا وكذا نَصْبَه فليسَ هذا مَحَلَّهُ، وأمَّا ذِكْرُه شارحًا عن بعضِ مشايخِه مِن أنَّ وجهَ الرفعِ التنوينُ كونُه فاعلًا ليَكُنْ المقدَّرَةِ في قولِهم: مهما يكنْ من شيءٍ بعدُ فما أبعدَهُ عن التحقيقِ واللهُ وليُّ التوفيقُ، و (هذه) إشارةٌ إلى الرسالةِ أو الأُرْجوزةِ أو القصيدةِ، وهي إن تأخَّرَت الخطبةُ عن فراغِ المقدِّمَة، ِ حِسِّيَّةٌ، وإن تقدَّمتْ عليه ذهنيَّةٌ ومنه قولُهُ تعالى: ذَلِكُم اللُه {َ،} وتلكَ الجنَّةُ .
و (المُقَدِّمَةُ) طائفةٌ مِن العلمِ، كمقدِّمَة الجيشِ، وهي بكسرِ الدالِ من قَدِمَ اللازمُ بمعنى تَقَدَّمَ، ومنه قولُه تعالى (لا تُقَدِّمُوا بينَ يديِ اللهِ ورسولِه) أي: لا تَتَقَدَّمُوا، وقيلَ في الآيةِ: إنَّ المفعولَ مُقَدَّرٌ أي: لا تُقَدِّمُوا أمرًا، وتَكَلَّفَ بعضُهم هنا أيضًا وقالَ المعنى هي مقدِّمَةٌ نَفْسَها على غيرِها، ويجوزُ فتحُ الدالِ على لغةٍ قليلةٍ كمقدَّمَةِ الرجلِ مِن قَدَّمَ المُعْتديَ، واقتصرَ عليه (بَحْرَقٌ) في شرحِه.
وأمَّا قولُ جمعٍ مِن الشرَّاحِ: إنَّ هذه طائفةٌ مِن علمِ التجويدِ فليسَ على ظاهرِه، لأنَّ التجويدَ أحدُ مسائلِها كما سيأتى بيانُه في مَحَلِّها، اللهمَّ إلا أنْ يقالَ يُنْسَبُ إليه تغليبًا؛ لكونِه المرادَ الأصليَّ منها، وقولُ خالدٍ:"ويقالُ مقدِّمَةُ العلمِ لما يتوقَّفُ عليه الشروعُ في مسائلِه، ومقدِّمَةُ الكتابِ لطائفةٍ من كَلَامِه قُدِّمَتْ أمَامَ المقصودِ لارتباطٍ له بها وانتفاعٍ فيه بسببِها"يُوهِمُ أنَّ المرادَ هنا بالمقدِّمَةِ أحدُ معنى المقدِّمَةِ المتقدِّمَةِ، وليسَ كذلكَ بل المرادُ بها طائفةٌ من مسائلِ علمِ القراءةِ ينبغي الاهتمامُ بها والاعتناءُ بشأنِهَا كما أشارَ إليه المصنِّفُ بقولِه: (فيما على قارئِه أنْ يَعْلَمَه) أي: بيانُ ما يجبُ على كُلِّ قارئٍ مِن قُرَّاءِ القرآنِ عِلْمُهُ، وأبعدَ مَن قدَّرَ مضافًا قبلَ (أنْ يَعْلَمَه) وقالَ تَعَلُّمُه أو تَعْلِيمُه وتجويزُ شارحِ كونِ (ما) مصدريَّةً في غايةِ غَرابةٍ من قواعدِ العربيَّةِ، وأمَّا قولُ ابنِ المصنِّفِ:"هذه مقدِّمَةٌ مغنيةٌ له عن غيرِها"فليسَ على إطلاقِه.
واعْلَمْ أنَّ هذه المُقَدِّمَةَ أُرْجُوزَةٌ من بحرِ الرَّجَزِ، وأجزاؤُه: مُسْتَفْعَلَنٌ ستُّ مراَّتٍ. (إذْ وَاجِبٌ عَلَيْهِمُ مُحَتَّمُ) بإشباعِ ضمَّةِ الميمينِ (قبلَ الشُّرُوعِ أوَّلًا أنْ يَعْلَمُوا) (إذ) تعليلٌ للوجوبِ المُقَدَّرِ في ضمنِ قولِه (فما على قارئِه) كما ذكَرَه ابنُ المصنِّفِ وغيرُه، وقالَ شارحٌ: للوجوبِ المفهومِ مِن (على) لا مِن مُقَدَّرٍ كما توهَّمَهُ بعضُهم لتصريحِهم بأنَّهَا قد يُرَادُ بها الوجوبُ قلتُ: لم يذكرْ صاحبُ المغني ولا صاحبُ القاموسِ مِن معَانيها الوجوبَ، وإنَّما الوجوبُ مستفادٌ منها بقرينةِ المقامِ الدالِّ باعتبارِ مُتَعَلِّقِه على المرامِ، ثمَّ الوجوبُ الشرعيُّ ما يُثَابُ على فعلِه ويُعَاقبُ على تَرْكِه، والعُرْفيُّ ما لابدَّ منه في فعلِه ولا يُسْتَحْسَنُ تَرْكُه، فيجبُ حملُ كَلَامِ المصنِّفِ على المعنى الاصطلاحيِّ، وهو لا يُنَافِي الوجوبَ الشرعيَّ في بعضِ الصورِ مِن الفنِّ العُرْفيِّ، ولا يجوزُ حملُه على المعنى الشرعيِّ؛ لأنَّ مَعْرفةَ جميعِ ما في هذه المقدِّمَةِ ليسَ مِن هذا القبيلِ، إلا إذا حُمِلَ على وجوبِ الكفايةِ، فقولُ شارحٍ:"أرادَ بالوجوبِ هنا الوجوبَ الشرعيَّ وأمَّا (ما) ذكَرَهُ بعضُهم مِن أنَّهُ يُرَادُ به مالابدَّ منه مُطْلَقًا وحُمِلَ عليه"