الصفحة 8 من 105

بِجَرِّ محمَّدٍ على أنَّهُ بدلٌ أو عطفُ بيانٍ وهو عَلَمٌ مأخوذٌ من حَمَّدَ مبالغةُ حَمِدَ لما اقتضاهُ مِن الصيغةِ التفعليَّةِ ثمَّ نُقِلَ من الوصفيَّةِ إلى الاسميَّةِ. والمرادُ (بآلِه) أقاربُه وأهلُ بيتِه أو جميعُ أتباعِه مِن أمَّتِه فعطَفَ (صحبِهِ) مِن بابِ عطفِ الخاصِّ على العامِّ، فلا يحتاجُ إلى قولِ ابنِ المصنِّفِ, والتقديرُ: وصحبُه غيرُ الآلِ لِيَقْوَى العطفُ، يعني: إذ الأصلُ فيه المُغَايَرَةُ، لكن نقولُ يكفي فيه المُغَايَرَةُ الاعتباريَّةُ، واختيارُ الآلِ على الأهلِ؛ لأنَّ الأهلَ مُخْتَصٌّ بذَوِي الشرفِ، أمَّا على المعنى الأَوَّلِ فبينهما عمومٌ وخصوصٌ من وجهٍ، فتأمَّلْ، فإنَّ الصَّحْبَ بفتحِ الصادِ ويُكْسَرُ اسمُ جمعٍ كرَكْبٍ للراكبِ، وهو اختيارُ سِيبَوَيْهِ،

وقيل: جمعٌ لصاحبٍ وهو مختارُ الأخفشِ، وضُعِّفَ بأنَّهُ لا يُجْمَعُ فاعلٌ على فَعْلٍ، والصحيحُ في حدِّ الصحابيِّ أنَّهُ: مَن لَقِيَ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُؤْمِنًا بهِ، وماتَ على الإيمانِ من غيرِ تخلُّلٍ بالردَّةِ. وقد حقَّقْنا هذا المبحثَ في شرحِنا لشرحِ النخبةِ، والمرادُ بمُقرِئِ القرآنِ مُعَلِّمُهُ وهو يشملُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وآلِه وأصحابِه وأتباعِه، ولا بِدْعَ في توارُدِ التصليَّةِ باعتبارِ الصفاتِ المختلفةِ فلا يُحْتَاجُ إلى تخصيصِ الإقراءِ بالتابعينَ وغيرِهم ممَّن بعدَهم كما ذكرَه ابنُ المصنِّفِ، والضميرُ في (مُحَبِّهِ) راجعٌ إلى القرآنِ وهو صادقٌ لعمومِ أهلِ الإيمانِ فلا يحتاجُ إلى تقييدِه بالعاملِ به، كما ذكرَه زكريَّا، أو إلى مُقْرِئِه وهو أبلغُ في مقامِ البرهانِ ثمَّ هو أعمُّ مِن أنْ يكونَ قارئًا أو غيرَه؛ لأنَّ المرءَ معَ مَن أحبَّ وقيلَ: الضميرُ في (مُحَبِّهِ) راجعٌ إلى النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو في غايَةٍ مِن البعدِ، وكذا قولُ الشارحِ الرُّوميِّ: (مُقْرِئ) أصلُه مُقْرِئِينَ، وسقطَ النونُ بالإضافةِ، وفي الجمعِ بينَ الآلِ والصحابةِ إيماءٌ إلى اعتقادِ أهلِ السُّنَّةِ خلافًا للخوارجِ والرَّافِضَةِ أبعدَهم اللهُ عن مرتبةِ المحبَّةِ.

(تنبيهٌ) وقعَ اختلافٌ بينَ أكابرِ الأمَّةِ في أنَّ النبوَّةَ أفضلُ أمْ الرسالةُ، ولكُلٍّ وِجْهةٌ؛ إذ النبوَّةُ المجرَّدَةُ من حيثُ التوجُّهُ إلى اللهِ تعالى وَأَخْذُ الفيضِ منه سبحانَه أولى من حيثُ التوجُّهُ إلى الخلقِ وإيصالُ الفيضِ إليهم، إلا أنَّ الرسولَ من حيثُ إنه كاملٌ مُكَمَّلٌ أفضلُ من النبيِّ من حيثُ إنه كاملٌ معَ أنَّ الرسالةَ ما تنافي الولايةَ فله المرتبةُ الجمعيَّةُ المستفادةُ من صفةِ الاصطفائيَّةِ، فإنَّ الكاملَ الواصلَ إلى مرتبةِ جمعِ الجمعِ لا يَحْجبُه الكثرةُ عن الوحدةِ ولا الوحدةُ عن الكثرةِ، وأمَّا عبارةُ بعضِ الصوفيَّةِ أنَّ الوِلَايَةَ أفضلُ مِن النبوَّةِ. فَيَعْنُونَ بها أنَّ ولايةَ الرسولِ أفضلُ مِن النبوَّةِ كما سبقَ لا مطلقًا، لئلَّا يلزمَ منه أنْ يكونَ الوليُّ أفضلَ مِن النبيِّ؛ إذ لم يقلْ به أحدٌ مِن أهلِ الإسلامِ، وأمَّا قول الحَلِيميِّ يحصلُ الإيمانُ بقولِ الكافرِ: آمنتُ بمحمدٍ النبيِّ بخلافِ محمدٍ الرسولِ لأنَّ النبيَّ لا يكونُ إلا للهِ، والرسولُ قد يكونُ لغيرِه فمبنيٌّ على الاستعمالِ العرفيِّ، إلا أنَّ لفظَ الإيمانِ يمنعُ مِن حملِه على المعنى العرفيِّ كما لا يخفى على أهلِ الإيقانِ، وفي البيتِ إيماءٌ إلى قولِه عليه السلامُ (أُغْدُ عَالِمًا أو مُتعَلِّمًا أو سامِعًا أو مُحِبًّا ولا تَكْن الخامسةَ فتَهْلَكَ) رواه ُالبزَّارُ والطبرانيُّ عن أبي بَكْرَةَ. (وبعدُ إنَّ هذه مُقَدِّمَهْ) أي بعدَ ما تقدَّمَ مِن الحمدِ والصلاةِ وهي كلمةٌ يُؤْتَى بها للانتقالَ من غرضٍ أو أسلوبٍ إلى آخرَ، يُسْتَحَبُّ الإتيانُ بها في الخطبِ والمُكَاتَبَاتِ اقتداءً بالنبيِّ عليه السلامُ، كذا ذكرَه خالدٌ، وفيه أنَّ الإتيانَ (بأَمَّا بعدُ) هو مُسْتَحَبٌّ بلا شبهةٍ، وإنَّما الكَلَامُ في (بعدُ) ولا يبعدُ أنْ يقالَ مالا يُدْرَكُ كُلُّه لا يُتْرَكُ كُلُّه خصوصًا في ضرورةِ الكَلَامِ معَ احتمالِ تقديرِ (أمَّا) لتحصيلِ المُرَامِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت