الصفحة 10 من 105

كَلَامُ الناظمِ هنا فمحمولٌ على مَن أمكنَه التجويدُ بطبعِه وسليقتِه كالعربِ الفُصَحَاءِ وغيرِهم ممَّن رزقَه اللهُ تعالى ذلكَ بالجِبِلَّةِ وطَبَعَ عليه، فلاشكَّ أنَّهُ ليسَ معناهُ الواجبَ عندَ الفقهاءِ الذي يُعَاقبُ على تركِه، وأمَّا مَن لم يتَّصِفْ بما ذُكِرَ فلا بدَّ في حقِّه مِن التجويدِ وعليه يُحْمَلُ كَلَامُ الناظمِ ويُرَادُ به الوجوبُ الشرعيُّ"ا. هـ فمبنيٌّ على ما يَجُوزُ عندَ الشافعيِّ من الجمعِ بينَ الحقيقةِ والمجازِ في إطلاقٍ واحدٍ كما اختارَه الشيخُ زكريَّا بقولِه: (إذْ واجبٌ) صناعةٌ بمعنى مالا بدَّ منه مطلقًا، وشرعًا بمعنى ما يُؤَثَّمُ تاركُه إذا أَوْهَمَ خللَ المعنى أو اقْتَضَى تغييرَ الإعرابِ والمبنى."

والتحقيقُ المرضيُّ عندَ الكُلِّ ما قدَّمْنَاه، معَ أنَّ هذه المقدِّمَةَ ليستْ منحصرةً في بيانِ التجويدِ فقطْ كما تقدَّمَ واللهُ أعلمُ.

قالَ ابنُ المصنِّفِ: ضميرُ (عَلَيْهمُ) راجعٌ على كُلِّ المُقَدَّرِ في قولِه فيما (على قارئِه) وتبِعَه خالدٌ، ولا يُحْتَاجُ إلى ذلك؛ فإنَّ المرادَ به جنسُ قارئِ القرآنِ، وأغربَ الشارحُ في قولِه:"الضميرِ إلى القارئِ؛ لأنَّ لامَهُ التي للاستغراقِ في معنى: كُلُّ قارئٍ، ونبَّهَ على أنَّهُ كذا في بعضِ النسخِ"ا. هـ ولا يستقيمُ له ذلكَ لعدمِ اتِّزَانِ البيتِ به كما لا يخفى. وقولُه: (مُحَتَّمُ) تأكيدٌ لقولِه (واجبٌ) إذ قد لا يكونُ الواجبُ فرضًا لازمًا، وقولُه (قبلَ الشروعِ) ظرفٌ لواجبٍ وأُكِّدَ بقولِه (أوَّلًا) أي يجبُ عليهم قبلَ الشروعِ في قراءةِ القرآنِ وفي ابتداءِ قَصْدِهم تَعَلُّمَ الفرقانِ، أنْ يَعْلَمُوا (مَخَارِجَ الحروفِ والصفاتِ) لا قبلَ أنْ يَشْرَعَ في أدائِه علي المشايخِ كما قالَ (بَحْرقٌ) فإنَّه حينئذٍ يَأْخُذُ العلمَ والعملَ بالأداءِ عن أِفواهِهم وأسماعِهم.

(لَيَلْفِظُوا بأفصحِ اللغاتِ) وفي نسخةٍ صحيحةٍ (لِيَنْطِقُوا) قيلَ: وهذه هي النسخةُ التي ضُبِطَتْ عن لفظِ الناظمِ آخرًا، والمؤدَّى منهما واحدٌ إلا أنَّ النطقَ يشملُ الحروفَ الهجائيَّةَ بخلافِ اللفظِ؛ فإنَّهُ موضوعٌ للمُرَكَّبِ ولو على سبيلِ الغالبيَّةِ كما يشيرُ إليه قولُه تعالى ما يَلْفِظُ مِن قولٍ {والمرادُ أفصحُ اللغاتِ مطلقًا أو أفصحُ مِن لغاتِ سائرِ العربِ العَرْبَاءِ، فإنَّ المرادَ به لغةُ قريشٍ، وهم قومُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقولِه تعالى:} وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رسولٍ إلا بلسانِ قومِه . ولقولِه عليه السلامُ"أَحِبُّوا العربَ لثلاثٍ: لأنَّي عربيٌّ، والقرآنُ عربيٌّ، ولسانُ أهلِ الجنَّةِ في الجنَّةِ عربيٌّ"والحديثُ أخرجَه الطبرانيُّ والحاكمُ والضياءُ عن ابنِ عباسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، وسيأتي تحقيقُ معنى المَخْرَج والحرفِ وصفتِه في مَحَلِّهِ الأليقِ به لتفصيلِه؛ فإنَّ هذا مقامُ إجمالِ ما في هذه الرسالةِ بمنزلةِ فهرسِ الكتاب ِ؛ ولذا قالَ في هذا البابِ:

(مُحَرِّرِي التجويدِ والمواقفِ ... وما الذي رُسِّمَ في المصاحِفِ)

بإشباعِ كسرةِ الفاءِ إلى حدِّ الياءِ و (رُسِّم) بتشديدِ السينِ المكسورةِ وفي نسخةٍ بتخفيفِه، أي كُتِبَ، والمعنى حالَ كونِ علماءِ المَخَارِجِ والصفاتِ طالبي تحريرِ تجويدِ القرآنِ وإتقانِه مِن تحسينِه وإمعَانِه، ومُرِيدِي مَعْرِفَةِ المواقفِ والمبادئِ مِن الكلماتِ القرآنيَّةِ ومَعْرِفَةِ مرسومِ المصاحفِ العثمانيَّةِ؛ لأنَّه أحدُ أركانِ القرآنِ، َ والركنانِ الآخرانِ التواترُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت