الصفحة 11 من 105

وموافقةُ العربيَّةِ، وحذفُ المباديءِ مِن بابِ الاكتفاءِ كقولِه تعالى: سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ أي: والبردَ، والمرادُ بالمواقفِ المواضعُ التي يَحْسُنُ الوقفُ إليها فهو اسمُ مكان، ٍ لا مصدرٌ بمعنى الوقفِ كما قالَه خالدٌ.

ولمَّا لم يستوفِ المصنِّفُ جميعَ ما يتعلَّقُ بالرسمِ على ما استوعبَه الشاطبيُّ رحمَهُ اللهُ تعالى في قصيدتِه الرائيَّةِ بل اكْتَفَى بالمِقْدَارِ المُحْتَاجِ إليه في القواعدِ الوفاقيَّةِ بينَ ما رُسِمَ بقولِه (مِن كُلِّ مقطوعٍ) أي: ما يُكْتَبُ مقطوعًا مِن الكلماتِ لا مِن الحروفِ كما قالَه الرُّوميُّ (وموصولٍ بها) أي: فيها، والضميرُ يعودُ إلى المصاحفِ (وتاءِ أُنْثَى لم تكنْ تُكْتَبْ بها) أي: بهاءٍ، وقُصِرَ كما هوَ قراءةُ حمزةَ في الوقفِ على الهمزةِ، لا كما قالَ ابنُ المصنِّفِ وتَبِعَه غيرُه إنَّه للضرورةِ، و (تُكْتَبُ) في الأصلِ مرفوعٌ؛ لأنَّه خبرُ كانَ وإنَّما أُدْغِمَ على مذهبِ السُّوسِيِّ في إدغامِ الكبيرِ، والمعنى: تاءُ تأنيثٍ لم تُكْتَبْ بتاءٍ مربوطةٍ بل تُكْتَبُ بتاءٍ مجرورةٍ كما سيجيءُ تحقيقُه وبيانُ فوائدِ كُلٍّ منها في مَحَلِّه، وفي الجمعِ بينَ المقطوعِ والموصولِ صنعةُ الطِّباقِ، وهو الجمعُ بينَ مَعْنَيَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ، وفيما بينَ (بها) و (بهاءٍ) صنعةُ الجِناسِ وهو الجمعُ بينَ متشابهينِ في اللفظِ والخطِّ، وأغربَ الشارحُ في قولِه: (ما) استفهاميَّةٌ؛ فإنها إمَّا أنْ تكونَ زائدةً، أو موصولةً مُؤَكِّدَةً، وعلى كُلِّ تقديرٍ عُطِفَتْ على التجويدِ لا على مفعولِ (يَعْلَمُوا) كما قالَه الشارحُ فإنَّه في كمالِ البُعْدِ واللهُ أعلمُ.

بابُ مَخَارِجِ الحروفِ:

(مَخَارِجُ الحروفُ) أي: العربيَّةِ الأصولِ (سبعةَ عشَرَ) أي: مَخْرَجًا وهو موضعُ الخروجِ في الأصلِ، لكنَّه هنا عبارةٌ عن الحيِّزِ المُوَلِّدِ للحرفِ، كذا قالَه جماعةٌ مِن الشرَّاحِ، الأظهرُ أنَّهُ موضعُ ظهورِه وتمييزِهِ عن غيرِه؛ ولذا قالُوا في تعريفِ الحرفِ: هو صوتٌ مُعْتَمِدٌ على مَقْطَعٍ مُحَقَّقٍ، وهو أنْ يكونَ اعتمادُه على جزءٍ مُعَيَّنٍ مِن أجزاءِ الحَلْقِ واللسانِ والشَّفَةِ، أو مقطعٍ مُقَدَّرٍ وهو هواءُ الفمِ إذ الألفُ لا مُعْتَمَدَ له في شيءٍ مِن أجزاءِ الفمِ، بحيثُ إنَّه ينقطعُ في ذلكَ الجزءِ؛ ولذا يَقْبَلُ الزيادةَ والنقصانَ، ثمَّ المرادُ بالحرفِ: حرفُ المَبْنَى من الحروفِ الهِجائيَّةِ، لا حرفُ المعنى ممَّا هو مذكورٌ في الكتبِ العربيَّةِ، وأصلُ الحرفِ معْناه الطَّرَفُ وإنَّما سُمِّيَ حرفًا؛ لأنَّ حرفَ التهجيِّ طرفُ الأصواتِ وبعضٌ منها، وحرفُ المعنى طرفٌ أي: جانبٌ مُقَابِلٌ لمعنى الاسمِ والفعلِ حيثُ يَقَعانِ عُمْدَةً في الكَلَامِ, وهو لا يَقَعُ إلا فَضْلَةً في المرامِ، ومادَّةُ الصوتِ وحدُّه: هواءٌ مُتَمَوِّجٌ بِتَصَادُمِ جِسْمَيْنِ. ومِن ثَمَّ عُمَّ به ولم يُخَصَّ بالإنسانِ بخلافِ الحرفِ فإنَّه يختصُّ بالإنسانِ وضعًا، والحركةُ عرضٌ تَحُلُّه على خلافٍ في ذلكَ يطولُ بحثُه ولا طائلَ تحتَه.

ثُمَّ الأصولُ في الحروفِ العربيَّةِ تسعةٌ وعشرونَ حرفًا باتِّفَاقِ البصريِّينَ، إلا المُبَرِّدَ، فإنَّه جعلَ الألفَ والهمزةَ واحدًا، مُحْتَجًّا بأنَّ كُلَّ حرفٍ يوجدُ مسمَّاهُ في أوَّلِ اسمِه، والألفُ أَوَّلُه همزةٌ، وأُجِيبَ بلزومِ أنَّ الهمزةَ تكونُ هاءً؛ لأنَّها أَوَّلُ اسمِها، والتحقيقُ في الفرقِ بينهما أنَّ الألفَ لا تكونُ إلا ساكنةً ولا يُتَصَوَّرُ أنْ يوجدَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت