الصفحة 12 من 105

لها اسمٌ يكونُ مسمَّاهُ ساكنًا والهمزةُ إنَّما تكونُ مُتَحَرِّكَةً أو مجزومةً فكانَ حقُّها أنْ يقالَ لها أَمْزَةٌ، لكنها أُبْدِلَ، منها هاءٌ؛ ولذا قيلَ: دليلُ تعدُّدِهِمَا إبدالُ أحدِهما مِن الآخرِ، كما حُقِّقَ في الآلِ والأهلِ، وأَرَاقَ وهَرَاقَ، والشيءُ لا يُبْدَلُ مِن نفسِه. والحاصلُ أنَّ الألفَ على نوعينِ، ليِّنَةٌ وغيرُها، فهو أعمُّ لغةً واعتبارًا وإنْ كانَ مُغَايِرًا للهمزةِ اصطلاحًا، وأنَّ مَخْرَجَ الهمزِ مُحَقَّقٌ ومَخْرَجَ الألفِ مُقَدَّرٌ، هذا وقدْ قالَ سِيبَوَيهِ وتَبِعَه الأكثرُ على ما نقلَه الجُعْبُرِيُّ: أنَّ مَخَارِجَ الحروفِ ستَّةَ عشَرَ، فجعلَ الألفَ مِن مَخْرَجِ الهمزةِ، كما اختارَه الشاطبيُّ، والواوَ والياءَ الساكنينِ أعمَّ مِن المدِّ واللينِ مِن مَخْرَجِ المُتَحَرِّكَيْنِ، وقالَ الفرَّاءُ وأتباعُه: أربعةَ عشَرَ، فجعلَ مَخْرَجَ النونِ واللامِ والراءَِ واحدًا، والجمهورُ على أنَّ لكُلِّ واحدٍ مَخْرَجًا كما سيأتي تحقيقُه، وقالَ الخليلُ وهو شيخُ سِيبَوَيْهِ وأتباعُه مِن المحقِّقِين وهو الذي عليه الجمهورُ: إنها سبعةَ عشَرَ كما أشارَ إليه المصنِّفُ بقولِه: (على الذي يختارُه مَن اخْتَبَر) أي: بِناءً على قولِ مَن اختارَ ذلكَ باختيارِه الأقوالَ وتمييزِه بينَ الأحوالِ، واختيارِ المضارعِ لحكايةِ الحالِ الماضيةِ، وأغربَ شارحٌ حيثُ قالَ: أي على القولِ الذي يختارُه منَّا مِن بينِ الأقوالِ مَن سبقَ اختبارُه للحروفِ، وأعجبُ مِن هذا حيثُ أُعْجِبَ بكَلَامِه وقالَ: هذا المعنى غنيٌّ عن تأويلِ المضارعِ بالماضي كما جنَحَ إليه ابنُ الناظمِ وغيرُه.

ويحصُرُ هذه المَخَارِجَ الحلقُ واللسانُ والشَّفَةُ، وزادَ جماعةٌ منهم الشاطبيُّ والناظمُ الجوفَ والخَيْشُومَ، هذا وإذا أردتَ أنْ تعرفَ مَخْرَجَ حرفٍ صريحًا بعدَ تَلَفُّظِكَ به صحيحًا فَسَكِّنْهُ أو شَدِّدْهُ وهو الأظهرُ، وأَدْخِلْ عليه همزةَ وصلٍ بأيِّ حركةٍ، وأصْغِ إليه السَّمْعَ فحيثُ انقطعَ الصوتُ كانَ مَخْرَجُه المحقَّقُ، وحيثُ يمكنُ انقطاعُ الصوتِ في الجملةِ كانَ مَخْرَجُه المقدَّرُ، فتدبَّرْ ثُمَّ إذا سُئِلْتَ عن التلفُّظِ بحرفٍ مِن كلمةٍ وكانَ ساكنًا حكَيتُه بهمزةِ وصلٍ، وإنْ كانَ مُتَحَرِّكًا حكيتَه بهاءِ السَّكْتِ؛ لأنَّه لما سألَ الخليلُ أصحابَه: كيفَ تَلْفِظونَ بالجيمِ من جعفرٍ؟ فقالُوا: جيمٌ. قالَ: إنَّما لَفَظْتُمْ بالاسمِ لا بالمُسَمَّى لكن قولوا: جَه، وأغربَ شارحٌ هنا حيثُ اعترضَ على الجُعْبُرِيِّ وابنِ الناظمِ في قولِهما: والصوتُ هواءٌ يَتَمَوَّجُ بتصادمِ جسمينِ. فقالَ: الذي عليه أهلُ السُّنَّةِ أنَّ الصوتَ كيفيَّةٌ تحدثُ بمحضِ خلقِ اللهِ تعالى من غيرِ تأثيرٍ لتموُّجِ الهواءِ أو القَرْعِ أو القَلْعِ خلافًا للحكماءِ في زعمِهم أنَّ الصوتَ كيفيَّةٌ في الهواءِ بسببِ تموُّجٍ، إلى آخرِ ما ذُكِرَ، فإنَّه كَلَامٌ غيرُ محرَّرٍ نشأَ مِن غيرِ تأمُّلٍ وتدبُّرٍ.

والتحقيقُ أنَّ مذهبَ أهلِ السُّنَّةِ هو أنْ لا تأثيرَ لغيرِ اللهِ وأنَّ الأشياءَ قد تُوجَدُ بسببٍ مَن الأسبابِ لكن عندَ خلقِ اللهِ إياهُ كما أنَّهُ سبحانَه يَخْلُقُ الشِّبَعِ بسببِ الأكْلِ، وهو قادرٌ على أنْ يُشْبِعَ مِن غيرِ أكْلٍ وأنْ يجعلَ الأكْلَ سببًا لزيادةِ الجوعِ كما هو مشاهدٌ في المُسْتَسْقَى والمُبْتَلَى بجوعِ البقرِ. َ

ثُمَّ اعلمْ أنَّ الحروفَ المذكورةَ هي الأصولُ الأصليَّةُ، وثمَّةَ حروفٌ فرعيَّةٌ تكونُ مُمْتَزِجَةً بالأصليَّةِ للعللِ المقتضيَةِ لها ليسَ هذا مَحلَّهَا وهي: الهمزةُ المُسَهَّلَةُ بينها وبينَ الألفِ أو الواوِ أو الياءِ، وكذا الألفُ المُمَالَةُ، واللَّامُ المُفَخَّمَةُ، والصادُ المُشَمَّةُ، والنونُ المُخْفَاةُ، وهذه الحروفُ الخمسةُ كُلُّها فصيحةٌ، جاءتْ بها القِرَاءاتُ الصحيحةُ، والرواياتُ الصريحةُ، وقولُ خالدٍ: والشينُ كالجيمِ في نحوِ أَجْدَق مِن الحروفِ المُتَفَرِّعَةِ المُسْتَحْسَنَةِ، وُجِدَتْ في القرآنِ وغيرِه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت