وأصفائِه مختصٌّ بِه، والعبرةُ بحمدِ مَن ذكرَ فلا فردَ منه لغيرِهِ، وقد يقالُ في المعنى إنَّ صفةَ الحامديَّةِ والمحموديَّةِ ثابتةٌ له تعالى فهو الحامدُ وهو المحمودُ ليسَ في الدارِ غيرُه ديَّارٌ سوى اللهِ في الوجودِِ، واللهُ اسمٌ لذاتِ الواجبِ الوجودِ المُسْتَجْمِعِ لصفاتِ الكمالِ التى من جملتِها الكرمُ والجودُ، والقولُ الأتمُّ أنَّهُ الاسمُ الأعظمُ، لكن بشرطِ أنْ تقولَ: اللهُ وليسَ في قلبِكَ سواهُ.
واخْتُلِفَ هلْ هو مشتقٌّ أو لا، وقد ذكرْنا بعضَ ما يتعلَّقُ به لغةً وإعلالًا في بعضِ الرسائلِ بحسبِ ما ظهرَ لنا من الوسائلِ؛ ليكونَ مُقْنِعًا لكُلِّ طالبٍ وسائلٍ, وإن لم يكنْ طائلٌ تحتَ هذه المسائلِ.
وبدأَ بالحمدِ اقْتِدَاءً بالقرآنِ المَجِيدِ، واقْتِفَاءً بحديثِ النبيِّ المجِيدِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كُلُّ أَمْرٍ ذي بَالٍ لم يُبْدَأْ فيه بالْحَمْدِ للهِ فهو أَجْذَمُ) أي: مَقْطُوعُ البركةِ وفي روايةٍ: (فهو أقطعُ) وفي أخرى: فهو أبترُ. والحديثُ أخرجَه أبو داودَ وغيرُه عن أبي هريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه وحسَّنَهُ ابنُ الصلاحِ وغيرُه ووردَ أيضًا عنه مرفوعًا: (كُلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يبدأُ فيه ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ فهو أقطعُ) وفي روايَةٍ عنه أيضًا: (كُلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يُبْدَأُ فيه بحمدِ اللهِ والصلاة ِعليَّ فهو أقطعُ أبترُ مَمْحُوقٌ مِن كُلِّ بركةٍ) والمرادُ بذي بالٍ صاحبُ شأنٍ في حالٍ أو مآلٍ فتَحَصَّلَ من مجموعِ الأحاديثِ أنَّهُ ينبغي أنْ يَقَعَ الابتداءُ بكُلٍّ مِن الثلاثةِ، وأنَّ الابتدائيَّةَ يُعْتَبَرُ فيها التوسِعَةُ في أجزائِها الزمانيَّةِ المقيَّدَةِ بما قَبْلَ الشروعِ في المقاصدِ التصنيفيَّةِ، والترتيِبُ مستفادٌ من ورودِ الآياتِ القرآنيَّةِ فتعيَّنَ تأخيرُ الصلاةِ المُحَمَّدِيَّةِ عن الجملةِ الحمديَّةِ لنقصانِ مرتبةِ العبوديَّةِ عن صفةِ الربوبيَّةِ وأمَّا تقديمُ الشاطبيِّ رحمَهُ اللهُ تعالى للجملةِ الصلاتيَّةِ فلعلَّهُ أرادَ بأنَّ البسملةَ بمنزلةِ الشهادةِ للوحدةِ والتصليَّةِ بمنزلةِ الاعْتِرَافِ بالنبوَّةِ، وبهما يحصلُ مقامُ الإيمانِ فيناسبُ أنْ يَقَعَ بعدَه الحمدُ على ذلكَ الإحسانِ ثمَّ الشاطبيُّ رحمةُ اللهِ عليه تَكَلَّفَ وأتَى بأجزاءِ البسملةِ منظومةٍ لكنَّها متفرِّقَةٌ مُنْفَصِلَةٌ ولم يَسَعْ للناظمِ هنا أنْ يأتيَ بتلكَ الطريقةِ فاكْتَفَى بالحمدلةِ كما يدلُّ عليه حديثُ (كُلُّ أمرٍ ذي بالٍ لم يُبْدَأْ فيه بذِكْرِ اللهِ) الجامعُ الرافعُ للنزاعِ في أنَّ الابتداءَ يكونُ حقيقةً وإضافيَّةً.
والحاصلُ أنَّ المقصودَ مِن الأحاديثِ النبويَّةِ أنَّ الابتداءَ لا يَصْدُرُ في حالِ الغفلةِ ليفيدَ الإخلاصَ للهِ تعالى والاختصاصَ به وينفي الرياءَ والسُّمْعَةَ، وليحصلَ له ببركةِ الابتداءِ توفيقُ الانتهاءِ وعدمُ الانقطاعِ في الأثناءِ سواءٌ يكونُ ذِكْرُ اللهِ في ضمنِ البسملةِ أو الحمدلةِ أو التصليَّةِ أو غيرِها، ولا يبعُدُ أنَّ المصنِّفَ جمعَ بينهما بأنْ تلفَّظَ بالبسملةِ ولم يجعلْها جزءًا
مِن الكتابةِ وأمَّا الشرحُ للشيخِ زكريَّا فهو يشيرُ إلى أنَّ البسملةَ في أَوَّلِها قبلَ الشروعِ فيها موجودةٌ بحسبِ الكتابةِ لكنَّه مُخَالِفٌ لما عليه الأصولُ، معَ أنَّهَا لا تدخلُ حينئذٍٍ تحتَ المَقُولِ ويُؤيِّدُ ما ذَكَرْنا قولُ ابنِ المصنِّفِ بدأَ بالحمدِ تأسِّيًا بالقرآنِ وبحديثِ الحمدِ في كُلِّ أمرٍ ذي شأنٍ، وأغربَ شارحٌ مصريٌّ هنا حيثُ قالَ: الوقفُ على بسمِ اللهِ قبيحٌ، وعلى الرحمنِ كذلكَ، وعلى الرحيمِ تامٌّ ا. هـ وهو كَلَامٌ ناقصٌ كما سيأتي حَلُّه في مَحَلِّهِ وكذا في قولِه يجوزُ كسرُ الدالِ بنقلِ حركةِ اللامِ إلى الدالِّ على الاتباعِ؛ فإنَّهُ لا نَقْلَ في ذلكَ بلْ اتِّباعٌ مجرَّدٌ هنالكَ كما قُرِيءَ شاذًّا