مشتقَّتَانِ مِن السمعِ بمعنى القَبُولِ والإجابةِ، بل السميعُ صفةُ مُبَالَغَةٍ مِن السمعِ بمعنى السَّمَاعِ والإدراكِ للمَسْمُوعَاتِ، ومنه قولُه تعالى وَهْوَ السميعُ البصيرُ . ثمَّ يرفعُ (محمدٌ) على أنَّهُ بدلٌ أو عطفُ بيانٍ (للراجي) ويجوزُ نَصْبُه بتقديمِ أعني أو يعني، وأبعدَ مَن جعلَه فاعلًا وجعلَ (راجي عفوِ) حالًا.
والجَزَرِيُّ نسبةً إلى جزيرةِ ابنِ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عنه ببلادِ الشرقِ، كذا ذكرَه ابنُ المصنِّفِ وتبِعَه مَن بعدَه في إجمالِه، وفي القاموسِ: بلدٌ شمالَ المَوْصِلِ تحيطُ به دِجْلَةُ مثلَ الهلالِ، واللهُ أعلمُ بالحالِ، والمرادُ بابنِ عمرَ الذي نُسِبَ إليه هو (عبدُ العزيزِ بنُ عمرَ) وهو رجلٌ مِن أهلِ (بَرْقَعِيدَ) من عمَلِ المَوْصِلِ، بناها فَنُسِبَتْ إليه، نصَّ على ذلكَ العلامةُ أبو الوليدِ بنُ الشِّحِنَّةِ الحنفيُّ، في تاريخِه (روضةِ المناظرِ في عِلْمِ الأوائلِ والأواخرِ) فليسَ بصحابيٍّ كما توهَّمَهُ بعضُهم.
والشافعيُّ نسبةً إلى الإمامِ محمدِ بنِ إدريسَ بنِ شافعٍ القرشيِّ المطْلَبيِّ، كذا قالَ الشرَّاحُ، وقالَ ابنُ المصنِّفِ: نسبةً إلى مذهبِ الإمامِ، وهو أقربُ إلى المرامِ وأنسبُ في هذا المقامِ. وإلا فالتحقيقُ أنَّ الشافعيَّ نِسْبَةٌ للإمَامِ إلى جدِّهِ شافعٍ، وأنَّ القياسَ في النسبةِ إلى مذهبِ الشافعيِّ تكريرُ النسبةِ، وأنَّهُ اكْتُفِيَ بواحدٍ منهما تخفيفًا.
وهنا لطيفةٌ خفيَّةٌ وهي: أنَّ نسبةَ الحنفيَّةِ حقيقيَّةٌ ونسبةَ الشافعيَّةِ مجازيَّةٌ. ثُمَّ (الشافعيُّ) صفةٌ لمحمدٍ فهو مرفوعٌ أو للجزَرِيِّ فهو مجرورٌ، والثاني أقربُ، والأَوَّلُ أنسبُ، وأسْكنَ الياءَ وخَفَّفَ للضرورةِ.
(الحمدُ للهِ وصلَّى اللهُ على نبيِّهِ ومُصْطَفَاهُ)
بالإشباعِ فيهما، والجملتانِ معَ ما بعدَهُمَا مِن الأبياتِ إلى آخرِ الكتابِ مقولُ القولِ، والجملةُ الأُولَى اسميَّةٌ مُفِيدَةٌ للدوامِ والثبوتِ الأزليَّةِ والأبديَّةِ، وهي في المبنى خبريَّةٌ وفي المعنى إنشائيَّةٌ، والجملةُ الثانيَة (خبريَّةٌ وفي المعنى) فعليَّةٌ ماضويَّةٌ مفيدةٌ للتجديدِ في كُلِّ حالةٍ وقضيَّةٍ، وهي خبريَّةٌ لفظًا وَدُعَائِيَّةٌ معنى.
ثُمَّ قيلَ الحمدُ والمدحُ والشكرُ ألفاظٌ مُتَرَادِفَةٌ، والمحقِّقُون على أنَّهَا حقائقُ مُخْتَلِفَةٌ، فإنَّ (الحمدَ) هو الثناءُ باللسانِ على الجميلِ الاختياريِّ عَلَى جهةِ التبجيلِ مِن نعمةٍ وغيرِها، ومثلَه حدٌّ (للمدحِ) لكن بحذفِ الاختياريِّ منها فيقالُ: حمدتُ زيدًا على عِلْمِه وكَرَمِه، ولا يقالُ حِمدْتُه على حُسْنِه بل مَدَحْتُهُ.
والشكرُ: فعلٌ يُنْبِئُ عن تعظيمِ المُنْعِمِ بسببِ إنعامِه على الشاكرِ أو غيرِه قولًا وعملًا واعتقادًا وفعلًا، فهو أعمُّ منهما موردًا وأخصُّ مُتَعَلَّقًا وهما بالعكسِ، والمدحُ أعمُّ مِن الحمدِ مُطْلَقًا ثُمَّ (أل) فيه للاستغراقِ عندَ أهلِ السُّنَّةِ، خِلَافًا للمُعْتَزِلَةِ بِناءً على خِلافِهم في مَسْأَلَةِ خلقِ الأفعالِ، إذ المعنى كُلُّ حَمْدٍ صدرَ مِن كُلِّ حامدٍ فهو ثابتٌ للهِ تعالى أو مختصٌّ به دونَ مَن عداهُ، فإنَّ حَمْدَ المَصْنُوعِ راجعٌ إلى حَمْدِ الصانعِ سواءٌ عَلِمَ بذلكَ أو جَهِلَ فيما هنالكَ، أو للجنسِ، وهو يفيدُ في هذا المقامِ ما يُسْتَفَادُ مِن الاستغراقِ في عمومِ المرامِ، فإنَّ لامَ للهِ للاختصاصِ، فلا فردَ منه لغيرِه وإلا يكنْ مُخْتَصًّا بهِ، أو للعهدِ. يعني: الحمدَ الذي حَمِدَ اللهُ به نفسَه في أزَلِه وأظهرَه على لسانِ أنبيائِه