لتطرُّفِها وانكسارِ ما قبلَها ثمَّ اسْتِثْقَالُ الضمَّةِ باعثٌ لحذفِها، وجُرَّ (عفوِ) لكونِه مضافًا إليه بالنسبةِ إلى سابقِه وإنْ كانَ مُضَافًا مِن جهةٍ لاحقةٍَ، وتوهَّمَ بعضُهم فجوَّزَ نصْبَه على أنَّهُ مفعولٌ لاسمِ الفاعلِ، بِناءً على أنَّهُ من قَبِيلِ: والمُقِيمِي الصلاةِ {حيثُ قُرِيءَ في الشواذِّ بنصبِها، وليسَ كذلكَ لعدمِ التوافقِ هنالكَ، كانَ الأَوْلَى أنْ يجعلَه نظيرًا لقولِه تعالى:} إنَّكُم لَذَائِقُوا العذابِ {على روايةٍ شاذَّةٍ في القراءةِ ووجهٍ ضعيفٍ في العربيَّةِ، إلا أنَّ نصبَ (عفوِ) معَ تنوينِ (راجٍ) لا يصحُّ روايةً ولا درايةً، وكذا لا يجوزُ تنوينُ (راجٍ) ونصبُ (عفوِ) لمَا ذُكِرَ، معَ مُخَالفَتِه لمَا رُسِمَ وسُطِّرَ، نعمَ عملُ اسمِ الفاعلِ المضافِ إذا كانَ مُعرَّفًا نصَبَ مفعولَه تخفيفًا مُعْتَبَرٌ في العربيَّةِ، وأمَّا عملُه كذلكَ معَ كونِه نكرةً فهو ضعيفٌ، كما صرَّحُوا به وإنْ قُرِيءَ قولُه} لَذَائِقُوا الْعَذَابَ بالنصبِ فلا يُقاسُ عليه، لاسيِّما معَ مُخَالَفَتِه الرسمَ لديه.
والربُّ بمعنى المُرَبِّي على الأظهرِ من جملةِ معَانيِه، للمُنَاسَبَةِ في مبانيهِ، وأمَّا قولُ ابنِ المصنِّفِ: لا يقالُ له: ربٌّ بمعنى الصاحبِ؛ لأنَّه ليسَ مِن أسمائِه. ففيه نظرٌ لورودِ (اللهمَّ أنتَ الصاحبُ في السفرِ) معَ أنَّهُ لا يلزمُ مِن عدمِ كونِ الصاحبِ مِن أسمائِه وصفاتِه تعالى عدمُ جوازِ إطلاقِ الربِّ بمعنى الصاحبِ عليه، فتأمَّلْ فيما يُتَوَجَّهُ إليه، ثُمَّ قولُ المصنِّفِ (سَامِعِ) بإشباعِ كسرِ العينِ على ما في الأصولِ المحرَّرةِ والنسخِ المُعْتَبَرَةِ، قالَ الشيخُ خالدٌ الأزهريُّ تبعًا لابنِ المصنِّفِ: هو بمعنى سميعٍ، لكن سميعٌ أبلغُ، ففي العبارةِ مناقشةٌ، كما أنَّ في الإطلاقِ مُسَامَحَةً، فإنَّ أسماءَ اللهِ تعالى توقيفيَّةٌ، ولا يجوزُ تغييرُ ما وردَ من الصفاتِ الجليَّةِ معَ اقتضائِها وصفَ الأبلغيَّةِ، حتى قيلَ في الصفةِ السَّلبيَّةِ قد تُؤْتَى بصيغةِ المبالغةِ للإشعارِ بأنَّهُ لو كانتْ ثابتةً له لكانتْ بهذه الصفةِ الحقيقيَّةِ، كما حُقِّقَ في قولِه تعالى وَمَا رَبُّكَ بظلَّامٍ لِلْعَبِيدِ {وهذا مَسْلَكٌ دَقْيِقٌ ليسَ عليه مزيدٌ للمُرِيدِ، ثُمَّ مِن المَعْلُومِ أنَّهُ لم يردْ سامعٌ في المسامعِ بحسبِ إطلاقِه وإنْ جاءَ في بعضِ الرواياتِ (سامِعِ خَلْقِه) نعم قد يكونُ السمعُ بمعنى القَبُولِ والإجابةِ، ومنه قولُ المُصَلِّي: سمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ. قالَ عصامُ الدينِ: أي ممَّن حَمِدَهُ. وهو بعيدٌ مَبْنًى ومعنًى، أمَّا أوَّلًا فلأنَّ اللَّامَ بمعنى مَنْ غيرُ مَعْرُوفةٍ، وأمَّا ثانيًا فلأنَّ تحتَه ليسَ إفادةً تامَّةً؛ لأنَّ صفةَ سماعِه بمعنى إداركِه عامَّةٌ فَيُحْمَلُ على معنى القَبُولِ والإجابةِ لتمامِ الإفادةِ، وأمَّا قولُ ابنِ المصنِّفِ:"مَعْناه قَبِلَ حَمْدَ مَنْ حَمِدَهُ وأجابَ مَن حَمِدَه إلى ما طُلِبَ منه"فمستقيمٌ من جهةِ المعنى إلا أنَّهُ يُحْتَاجُ إلى القولِ بزيادةِ اللاَََّمِ في المبنى، فالأظهرُ أنْ يقالَ: إنَّ سمِعَ بمعنى استجابَ، فإنه يتعدَّى بنفسِه كما في القاموسِ وباللَّامِ كما في الكتابِ، وأمَّا قولُ ابنِ المصنِّفِ: وهذا المعنى هو المرادُ به هاهنا يعني في هذا البيتِ ففيه نظرٌ ظاهرٌ من جهةِ حصرِ الإرادةِ، إذ يمكنُ حمْلُه على المعنى المشهورِ مِن السمعِ، وهو ملائمٌ لقولِه: (يقولُ) . نعم الأَوْلَى أنْ يُحْمَلَ عليه لما سَبَقَ مِن الإشارةِ إليه، وقدْ جمعَ الشيخُ زكريَّا بينَ إرادةِ الحقيقةِ والمجازِ واستعملَ بينَ المَعْنيينِ المُشْتَرِكَيْنِ على ما أجازَه الشافعيُّ فقالَ في المسأَلتينِ: أي سامعٍ لرجائِه وغيرِه فيجيبُه بما رجاهُ، ولا يخفى أنَّ قولَه مُؤَمِّلٌ صَفْحَ مالكٍ تفسيرٌ بما هو أخْفَى، فالأَوْلَى أنْ يقالَ المعنى يقولُ طامعُ معَفرةِ ربٍّ عظيمٍ، لما في ذكرِ الربِّ من الاستعطافِ والإيماءِ إلى عادتِه سبحانَه في الكرمِ والعطاءِ وسائرِ الألطافِ، المستفادُ مِن قولِه (سامِعٌ) أي سَمَاعُ إجابةٍ وَقَبُولٍ، كما قيلَ في قولِه تعالى:} واسْمَعُوا . وحينئذٍٍ يكونُ الإجابةُ والقبولُ قيدًا في السماعِ، لا أنَّهُ معنى مُسْتَقِلٌّ مضمومٌ إليه، ولا يَبعُدُ أنْ يكونَ (سامِعِي) بالإضافةِ على الالتفاتِ مِن الغَيْبةِ إلى التكَلُّمِ (وحينئذٍٍ إمَّا أنْ يكونَ خبرًا بتقديرِ كانَ) أو بتقديرِ هو على أنَّ الجملةَ مُعْتَرِضَةٌ، وأخطأَ الشارحُ حيثُ قالَ: السمِيعُ والسامِعُ صفتانِ