الصفحة 3 من 8

فعُني ابن مسعود بتفقيه أهل الكوفة من عهد عمر إلى أواخر عهد عثمان - رضي الله عنهم - عناية لا مزيد عليها، حتى امتلأت الكوفة بالفقهاء.

ولما انتقل علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - إلى الكوفة، سُرَّ من كثرة فقهائها جدا فقال: رحم الله ابن أم عبد، قد ملأ هذه القرية علما.

ووالى بابُ مدينة العلم (يعني علي رضي الله عنه) تفقيههم، إلى أن أصبحت الكوفة لا مثيل لها في أمصار المسلمين في كثرة فقهائها ومحدثيها، والقائمين بعلوم القرآن وعلوم اللغة العربية فيها بعد أن اتخذها على بن أبي طالب - كرم الله وجهه - عاصمة الخلافة، وبعد أن انتقل إليها أقوياء الصحابة وفقهاؤهم، وقد ذكر العجلي أنه توطن الكوفة وحدها من الصحابة ألف وخمسمائة صحابي، سوى من أقام بها ونشر العلم بين ربوعها، ثم انتقل إلى بلد آخر فضلا عن باقي بلاد العراق، فكبار أصحاب علي وابن مسعود - رضي الله عنهما - بها لو دونت تراجمهم في كتاب خاص لأتى كتابا ضخما، وليس هذا موضع سرد لأسمائهم، وقد جمع شتات علوم هؤلاء إبراهيم بن يزيد النخعي، وآراؤه مدونة في آثار أبي يوسف، وآثار محمد بن الحسن، ومصنف ابن أبي شيبة وغيرها، ويعد النقاد مراسيله صحاحا، ويفضله على جميع علماء الأمصار الشعبي الذي يقول عنه ابن عمر - رضي الله عنهما - حينما رآه يحدث بالمغازي: لهو أحفظ لها مني وإن كنت قد شهدتها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

ويقول أنس بن سيرين: دخلت الكوفة فوجدت بها أربعة آلاف يطلبون الحديث وأربعمائة قد فقهوا كما في الفاصل للرامَهُرْمُزِيّ.

وقد جمع أبو حنيفة علوم هؤلاء ودوَّنها بعد أخذ وردّ سديدين في المسائل بينه وبين أفذاذ أصحابه في مجمع فقهي كيانه من أربعين فقيها من نبلاء تلاميذه المتبحرين في الفقه والحديث وعلوم القرآن والعربية، كما نص على ذلك الطحطاوي وغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت