وعن هذا الإمام الأعظم يقول محمد بن إسحاق النديم، الذي ليس هو من أهل مذهبه: والعلم برا وبحرا، شرقا وغربا، بعدا وقربا تدوينه رضي الله عنه.
ويقول الشافعي رضي الله عنه: الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة.
ثم أتى الشافعي - رضي الله عنه - فجمع عيونا من المعينين، وزاد ما تلقاه من شيوخه من أهل مكة كمسلم بن خالد، الذي تلقى عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس - رضي الله عنهما -، وقد امتلأ الخافقان بأصحاب الشافعي وأصحاب أصحابه، وملؤوا العالم علما، وأهل مصر من أعرف الناس بعلومه وعلوم أصحابه حيث سكنها في أواخر عمره، ونشر بها مذهبه الجديد، ودفن بها - رضي الله عنه -.
ولا يتسع هذا المقال لبيان ما لسائر الأئمة من الفقهاء من الفضل على الفقه الإسلامي، وهم على اتفاق في نحو ثلثي مسائل الفقه، والثلث الباقي هو معترك آرائهم، وحججهم في ذلك ومداركهم مدونة في كتب أهل الفقه.
فمذاهب تكون بهذا التأسيس وهذا التدعيم إذا لقيت في آخر الزمن متزعما في الشرع يدعو إلى نبذ التمذهب باجتهاد جديد يقيمه مقامها، محاولا تدعيم إمامته باللامذهبية بدون أصل يبني عليه غير شهوة الظهور، تبقى تلك المذاهب وتابعوها في حيرة بماذا يحق أن يلقب من عنده مثل هذه الهواجس والوساوس، أهو مجنون مكشوف الأمر، غلط من لم يقده إلى مستشفى المجاذيب، أم مذبذب بين الفريقين يختلف أهل العقول في عدِّه من عقلاء المجانين، أو مجانين العقلاء؟!.
بدأنا منذ مدة نسمع مثل هذه النعرة من أناس في حاجة شديدة على ما أرى إلى الكشف عن عقولهم بمعرفة الطبيب الشرعي.
قبل الالتفات إلى مزاعمهم في الاجتهاد الشرعي القاضي - في زعمهم - على اجتهادات المجتهدين، فعلى تقدير ثبوت أن عندهم بعض عقل، فلا بد أن يكونوا من صنائع أعداء هذا الدين الحنيف، ممن لهم غاية ملعونة إلى تشتيت اتجاه الأمة الإسلامية في شؤون دينهم ودنياهم، تشتيتا يؤدي بهم إلى التناحر والتنابذ والتشاحن والتنابز يوما بعد يوم، بعد إخاء مديد استمر بينهم منذ بزغت شمس الإسلام إلى اليوم.