كان للفقهاء السبعة من أهل المدينة منزلة عظيمة في الفقه، كان سعيد بن المسيب يسأله ابن عمر - رضي الله عنهما - عن أقضية أبيه، تقديرا من ذلك الصحابي الجليل لسعة علم هذا التابعي الكبير بأقضية الصحابة.
ثم انتقلت علوم هؤلاء إلى شيوخ مالك من أهل المدينة، فقام مالك بجمعها وإذاعتها على الجماهير، فنسب المذهب إليه تأصيلا وتفريعا، وانصاع له علماء كبار تقديرا لقوة حججه ونور منهجه على توالي القرون، ولو قام أحد هؤلاء العلماء المنتمين إليه بالدعوة إلى مذهب يستجده لوجد من يتابعه من أهل العلم لسعة علمه وقوة نظره، لكنهم فضلوا المحافظة على الانتساب إلى مذهب عالم المدينة، حرصا على جمع الكلمة، وعلما منهم بأن بعض المسائل الضعيفة المروية عن صاحب المذهب تترك في المذهب إلى ما هو أقوى حجة وأمتن نظرا برأي أصحاب الشأن من فقهاء المذهب، حتى أصبح المذهب باستدراك المستدركين لمواطن الضعف بالغَ القوة، بحيث إذا قارعه أحد المتأخرين أو ناطحه فَقَدَ رأسه.
وهكذا باقي المذاهب للأئمة المتبوعين، فها هي الكوفة بعد أن ابتناها الفاروق - رضي الله عنه - وأسكن حولها الفُصَّح من قبائل العرب، بعث إليها ابن مسعود - رضي الله عنه - ليفقه أهل الكوفة في دين الله قائلا لهم: إني آثرتكم على نفسي بعبدالله.
وعبدالله هذا منزلته في العلم بين الصحابة عظيمة جدا، وهو الذي يقول فيه عمر: كنيف ملئ علما. وفيه ورد حديث: (إني رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد) وحديث: (من أراد أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد.
فقراءة ابن مسعود هي التي يرويها عاصم عن زر بن حبيش عنه، كما أن قراءة علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - هي التي يرويها عاصم عن أبي عبدالرحمن عبدالله بن حبيب السلمي عنه.