الطَّهوريَّة تفيد التكرار بصيغتها وصفتها، فيصح الوضوء بالمستعمل كابن القاسم، وإن كُره ابتداء للخلاف، أو لأنه بصورة ما يُعاف. إما حقيقة أو بمعنى أن غيره أولى، وخالفه الأئمة لما يُذكرُ بعدُ.
قاعدة 8 ـ [المستقذر شرعا كالمستقذر حسًّا]
المستقذرُ شرعا كالمستقذر حسًّا،"ليس لنا مثل السوء، العائد في صدقته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه"،"إن الصدقة لا تحل لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس"، يشير إلى"خذ من أموالهم"الآية. فمن ثم قال الأئمة: لا يُطَهِّر المستعمل في الحدث، لأنه طهَّر الذنوب المستقذرة شرعا، كالصدقة، فاشتمل عليها اشتمال الماء على الأوساخ المضروب بها المثل، فانتقل ما كان من المنع على الأعضاء إليه، حتى إن النعمان غلا في ذلك فسلبه الطهارة.
قلت: وهذا القدر لا يُضاد الكراهة، فينبغي أن يُحمل عليها جمعا بين مقتضاه ومقتضى الأصل: كأحد قولي المالكية في شراء الرجل صدقته. وكذلك المستقبح: كقوله - صلى الله عليه وسلم:"ولا يبسط ذراعيه انبساط الكلب"، وهذا أظهر مما قيل من الاعتماد على الكفين تخفيف عن الوجه؛ ولذلك نهى عن الإقعاء أيضا. وأما ما يقال من أن الصدقة إنما حُرمت على من أذهب عنهم الرجس وطُهِّروا تطهيرا، وذلك لا يقتضي المنع مطلقا في صورة النزاع، كما لم يقتضه امتناعه - صلى الله عليه وسلم - من كل ما له رائحة ثقيلة لأنه يناجي. فلغير النعمان أن يقول: إن المستعمل إنما مُنع في وسيلة مناجاة العبد ربه بصلاته، ومناجاة الرب عبده بلسان تلاوته، ثم أطرد في الحدث، لا مطلقا.
قاعدة 9 ـ [أنواع القياسات الفقهية]
القياسات الفقهية خَطابية وجَدَلية لا سوفْسَطائة وشعرية، وفي كون شيء منها بُرهانيا، ظاهر كلام ابن الحاجب والأصبهاني إثباتُه وهو الأقرب. واتفقوا على خروج كُلِّ ما هو ضروري من الدين عن حد الفقه، وليس ما تقدم في القاعدة قبلها من نوع الخيالات، فلا يُسمع، كما ظن قوم، فتأمله.
قاعدة 10 ـ [ما يُعاف في العادات يكره في العبادات]
ما يُعاف في العادات يكره في العبادات: كالأواني المُعدَّة بصورتها للنجاسات، والصلاة في المراحيض، والوضوء بالمستعمل، فإنه كالغُسالة، لا كما يقتضي تنزيل الباجي قول أصبغ فيه أنه غير طهور على قول ابن القابسي: إن الطاهر يسلب القليل التطهير؛ لأن فرض الكلام فيه في صورة الإطلاق وإن لم تعين؛ ولذلك استثناه الغزالي منه. واعتُرض إيراد ابن الحاجب وابن شاس إياه في القسم الثاني. وأجيب بأنهما نظرا إلى الغالب من أحوال وجوده مع إشعار كلامهما بما يعم الإطلاق، وفيه نظر.
قاعدة 11 ـ [الحكم بالشك هو بخلاف الشك في الحكم]