الصفحة 9 من 133

الثاني: ستةَ عشرَ مخرجًا على قولِ سيبويهِ ومَن تَبِعَهُ كالشاطِبِيِّ وابنِ بِرِيٍّ رضيَ اللهُ عنهما، فقد أَسقطوا مخرجَ الجَوْفِ الذي هو مخرجُ حروفِ المَدِّ الثلاثةِ، ووزَّعوا حروفَه على مخارجِ الحلقِ واللسانِ والشَّفتين فجَعلوا مخرجَ الألفِ من أقصى الحلقِ مع الهمزةِ، والياءِ من وسطِ اللسانِ مع المتحرِّكةِ أو الساكنةِ بعد فتحٍ، والواوِ من الشَّفتين مع الواوِ المتحرِّكةِ أو الساكنةِ بعدَ فتحٍ.

الثالثُ: وهو مذهبُ الفرَّاءِ والجَرْمِيِّ وقُطْربَ وابنِ كَيْسانَ إلى أنها أربعةَ عشرَ بإسقاطِ ما سَبَقَ وجعلَ مخرجَ النونِ واللامِ والراءِ مخرجًا واحدًا، وجعلَ مخارجَ اللسانِ ثمانيةً , والجمهورُ على المذهبِ الذي ذَكرَه ابنُ الجَزْرِيِّ وهذه المخارجُ تُسمَّى المخارجَ الخاصَّةَ، وحصرَها فيما ذَكرَ على وجهِ التقريبِ، وإلا فالتحقيقُ أنَّ لكلِّ حرفٍ مخرجًا كما قرَّرَه الصرفيُّونَ، ويَحْصُرُ أنواعَ المخارجِ: الجَوْفُ والحَلْقُ واللسانُ والشفتانِ والخيشومُ، وتُسمَّى المخارجَ العامَّةَ، وإذا أردتَ معرفةَ مخرجِ الحرفِ فسكِّنْه أو شَدِّدْه وهو الأظهرُ وأدخِلْ عليه همزةَ الوصلِ واصغَ إليه فحيثُ انقطعَ صوتُه فهو مخرجُه المحقَّقُ , وحيثُ يمكنُ انقطاعُ الصوتِ في الجملةِ فهو مخرجُه المقدَّرُ. ونعودُ إلى ذِكرِ المخارجِ مرتَّبَةً فنقولُ:

ثم قالَ الناظمُ:

10.فألِفُ الجَوْفِ وأختاها وهي ... حروفُ مدٍّ للهواءِ تَنتهي

شرَعَ الناظمُ في بيانِ المخارجِ التفصيليَّةِ حسْبَ ما جاء في المذهبِ الأوَّلِ الذي هو سبعةَ عشرَ مَخرجًا وَفقًا لِمَا عليه الجمهورُ حسْبَ ترتيبِ المخارجِ الخمسةِ العامَّةِ المتضمِّنَةِ للسبعةَ عشرَ مَخرجًا الخاصَّةِ، فنقولُ: -

المخرجُ الأوَّلُ: فقولُه"فألِفُ الجَوْفِ"أيْ: فمخرجُ الألِفِ الجَوْفُ، وهو: الخلاءُ الداخلُ في الفمِ والحَلْقِ فلا حَيِّزَ لها محقَّقٌ.

تنبيه: إنما بدءُوا في تِعدادِ المخارجِ بالجَوْفِ دونَ الشفتين اللتين هما الأوَّلُ , باعتبارِ أنَّ أوَّلَ الإنسانِ رأسُه وآخرَه رِجلاه؟، لأنهم اعتبَروا مادَّةَ الصوتِ وهي الهواءُ الخارجُ من الجَوْفِ الحاصلِ بتمَوُّجِ الرئَةِ، لأن الرئَةَ إذا تموَّجَتْ حَصَلَ بمحضِ خلْقِ اللهِ تعالى هواءٌ تدْفَعُه القوَّةُ الإنسانيَّةُ إلى المحَلِّ المرادِ فينقرِعُ فيه بالآلةِ الفمِّيَّةِ فإذا انضغطَ في ذلك المحَلِّ حَصَلَ أصواتٌ متكيِّفةٌ بكيفيَّاتٍ مخصوصةٍ وهي الحروفُ إلا أن الكيفيَّاتِ مختلِفةٌ باختلافِ الآلاتِ كما هو ظاهرٌ وحينئذٍ فلما اختلفَتْ باختلافِ الآلاتِ أي تصادُمُ الجسمينِ اختلفَتِ الحروفُ ويَلزمُ عنها اختلافُ التراكيبِ اللازمِ لها اختلافُ معانيها، وأوَّلُه الجَوْفُ فبَدءوا به وآخرُها أوَّلُ الشَّفتين، فيُقدِّمون في الذكرِ ما هو أقربُ إلى الصدرِ ثم الذي يَليه ثم الذي يَليه، وهكذا إلى الشَّفتين، فتأمَّلْ انتهى من المسعديِّ بتصرُّفٍ.

قولُه"وأُختاها"أي كذلك , والمرادُ شَبيهتاها وهما الواوُ والياءُ الساكنتان المجانسُ لهما ما قبلَهما بأنِ انضمَّ ما قبلَ الواوِ وانكسرَ ما قبلَ الياءِ , بخلافِ ما إذا تحرَّكتا أوسَكَنَتَ وسُبقتا بفتحٍ فيصيرُ لهما حيِّزٌ محقَّقٌ، ومن ثَمَّ كان لهما مَخرجان.

قولُه"وهي حروفُ مَدٍّ"ولِينٍ"للهواءِ"أي: هواءُ الفمِ وهو الصوتُ أي: عندَ انتهائِه"تنتهي"حروفُ المَدِّ أيْ: ترجعُ إليه، والمرادُ بالجَوْفِ جَوْفُ الحَلْقِ والفمِ وهو خلاؤهما الداخلُ فيهما، فمَبدؤهما مبدأُ الحَلْقِ وتمُرُّ على جميعِ أجزاءِ البَدنِ، وسُمِّيَتْ حروفَ المَدِّ واللِّينِ، لأنها تخرجُ بامتدادٍ ولينٍ من غيرٍ كُلفةٍ على اللسانِ لاتساعِ مَخرجِها، فإن المَخرجَ إذا اتَّسعَ انتَشرَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت